في السادس والعشرين من يناير عام 1885 سطر السودانيون واحدة من أعظم لحظات تاريخهم الوطني، حين تحررت الخرطوم على يد الثورة المهدية بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي، وتأسست أول دولة سودانية مستقلة في أفريقيا. لم يكن ذلك الحدث مجرد انتصار عسكري على قوى الاستعمار، بل كان ميلاد الدولة الوطنية السودانية الحديثة بعد قرون من التشرذم في صورة ممالك وسلطنات متفرقة.
جاءت الثورة المهدية مشروعاً وطنياً جامعاً، عبّر عن تطلع السودانيين للحرية وبناء كيان موحد. وقد لخّص الإمام المهدي هدف الثورة بقوله:“المقصود جمع كلمة المسلمين وإزالة الظلم وإقامة العدل بين الناس كافة”،وهو ما تحقق عملياً حين توحدت قبائل السودان شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً في هوية وطنية واحدة صنعت القومية السودانية لأول مرة في تاريخ البلاد الحديث.
ومن رحم هذا المشروع وُلدت العاصمة الوطنية أم درمان، التي تحولت إلى رمز للوحدة والانتماء، حيث امتزجت الأعراق والقبائل في نسيج اجتماعي متماسك، وأصبحت مركزاً للسياسة والثقافة والفنون والرياضة. ومنها خرج الشعراء والأدباء والفنانون الذين شكّلوا الوجدان السوداني، وتغنّى بها رواد الغناء الوطني من كرومة وسرور وأبو صلاح وسيد عبد العزيز والعبادي والسر قدور وغيرهم.
أما ملحمة حصار الخرطوم وتحريرها فقد جسدت وحدة الجغرافيا السودانية في أبهى صورها. فقد قاد الأمير عبد الرحمن النجومي الجيوش العامة، وشاركه أمير الشرق عثمان دقنة، والأمير العبيد ود بدر وأهله البادراب الذين حاصروا المدينة عبر النيلين، بينما تقدّم حمدان أبو عنجة من الغرب، ومحمد عثمان أبو فرجة من الشمال والشرق، وعبر الإمام المهدي النيل مع خلفائه من الجنوب الغربي، لتلتقي كل أقاليم السودان في معركة واحدة أعلنت ميلاد الدولة،وقد وصف المؤرخ بيتر هولت هذه اللحظة بقوله:“لم تكن المهدية مجرد ثورة دينية، بل حركة وطنية أعادت تشكيل السودان ككيان سياسي موحد لأول مرة”،غير أن قوى الاستعمار لم تقبل بقيام الدولة الوليدة، فحشدت جيوشها لتقع معارك كرري وأم دبيكرات التي انتهت بسقوط الدولة عسكرياً، دون أن تسقط الفكرة الوطنية. وكما قال الخليفة عبد الله:“قد تُهزم الجيوش، ولكن لا تُهزم الفكرة التي تسكن قلوب الناس”،ومن هذا الامتداد التاريخي جاء الاستقلال الثاني عام 1956 بقيادة الإمام عبد الرحمن المهدي والجبهة الاستقلالية، استكمالاً لمسار التحرر الذي بدأ في 1885.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على الاستقلال الأول، يعيش السودان أخطر مراحله في ظل حرب أهلية مدمرة تمزق وحدة البلاد وتهدد بتفكيك الدولة. إن ما نشهده اليوم يتناقض جذرياً مع مشروع الثورة المهدية الذي قام على الوحدة وبناء الدولة والعدالة الوطنية.
إن ذكرى 26 يناير ليست مجرد استدعاء للماضي، بل دعوة لإنقاذ الحاضر وصناعة المستقبل. فقد أثبت تاريخنا أن السودان لا يُبنى بالسلاح ولا يحكم بالقوة، بل بوحدة شعبه وتوافقه الوطني.
وإزاء هذه الحرب العبثية، يصبح واجباً وطنياً عاجلاً وقف القتال فوراً، ورتق النسيج الاجتماعي، وإنجاز مصالحة وطنية شاملة تعيد الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وتفتح الطريق لإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والحكم المدني.
كما وحّدت الثورة المهدية السودان في معركة التحرير، فإن إنقاذه اليوم يتطلب وحدة وطنية شاملة في معركة السلام وبناء الدولة.
المجد لشهداء الثورة المهدية
ولا سلام بلا وحدة وطنية، ولا دولة بلا مصالحة وطنية شاملة، ولا استقرار ولا تنمية دون حكم مدني يحقق الحرية والسلام والعدالة.
⸻
مراجع تاريخية:
• بيتر هولت، الدولة المهدية في السودان
• محمد إبراهيم أبو سليم، الإمام المهدي: سيرة ووثائق
• يوسف فضل حسن، تاريخ السودان الحديث
• مكي شبيكة، السودان عبر القرون




