*يوسف عبد المنان مع ياسر العطا*

بعد طول انقطاع دام شهور استقبلنا أمس الفريق ياسر العطا مساعد القائد العام للقوات المسلحة ومشرف العمليات العسكرية الجارية الآن، بمكتبه بالقيادة العامة بالخرطوم نحن أربعة من جبال الجغرافية لا الإثنية ،كبيرنا مقاماً وأصغرنا سناً عمر شيخ الدين رئيس الحركة الشعبية تيار السلام التي تقاتل الآن في معارك كردفان والمحامي جبرالدار التوم رئيس لجنة الإسناد المدني بلجنة الاستنفار والدكتور عادل دلدوم الختيم أشقر الذي لاحاجة للتعريف به وبدأ الفريق العطا أكثر ارتياحا من أي وقت مضى بعد نجاح العملية التي نفّذتها القوات المسلحة بجبال النوبة خلال الأسبوع الماضي وحقّقت مقاصدها بفك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادقلي.
وقال الفريق ياسر أنه شخصيا أكثر ارتباطاً بجبال النوبه أرضاً ومكوّنات بشرية ،ولذلك لم تبد القوات المسلحة أي تحرّك عدواني مستهدفاً الحركة الشعبية حتى في المناطق التي تمدّدت فيها خلال الفترة الماضية وقال إننا نحارب الجنجويد لكن الحركة الشعبية حينما أطلقت مسيّراتها لضرب المواطنين في كادقلي كان الرد قاسياً جداً ورفض الإفصاح عن ذلك الرد زماناً
ً ومكاناً ونتائج، وتوعّد الحركة الشعبية بحرب لم تشهدها المنطقة من قبل إذا تمادت الحركة في السير وراء ركب الجنجويد ومليشيا آل دقلو التي لم ترعى أخلاق الحرب ولا قيم أهل السودان وتحدّث الرجل بصراحته التي تصل أحياناً حد الإفصاح عن السكوت عنه ودعا الوفد الذي هرع لتهنئة قيادة الجيش بالانتصارات إلى لعب دور في رتق جروح الحرب وتصافي المجتمع بعد تحرير الأرض وأن تقبل مكونات جبال النوبة ببعضها البعض بعيداً عن الاصطفاف في زمن الحرب وتحدّث عن ضرورة الحديث الاجتماعي مع مكوّنات مهمة في المنطقة مثل الحوازمة والمسيرية والحوار معهم وقبول كل من يضع السلاح من المقاتلين والاستفادة من العفو العام الذي أطلقه الفريق البرهان.
وبدّد ياسر العطا التخرّصات التي سارت بها أجهزة الإعلام الجديد حول وجود تصدّعات في هيئة قيادة الجيش في الوقت الراهن وقال نحن متماسكين ولا شقاق ولا خلاف بيننا كل أعضاء مجلس السيادة وكذلك المكوّن العسكري والمدني.
وبدأ عمر شيخ الدين أكثر صراحة مع الفريق ياسر العطا حول ضرورة دعم المنطقة بالسلاح وعتاد القتال وتقديم الإعانات من الغذاء والدواء لمدن تطاول حصارها وكشف العطا في هذا الصدد عن اتصالات أجراها بتكليف من الرئيس البرهان بولاة ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية والجزيرة وسنار للأسهام عبر قوافل دعم لمدن كادقلي الدلنج تعبيراً عن تلاحم أبناء الشعب السوداني مع المنطقة التي صبرت على الحصار لمدة ثلاثة سنوات عجاف وأثنى الوفد على مواقف قيادة الدولة مع منطقة جبال النوبة.
الفريق ياسر العطا بذات الحيوية وبذات الثبات منذ اندلاع الحرب والثقة في النفس وإحسان الظن بضيوفه وهو القيادي الوحيد في كل هذه الدولة من يرفض نزع هواتف زوّاره خوفاً من التسجيل والتصوير وتلك من العادات التي أورثها حميدتي للمسؤولين في الدولة حد أن أصبح المدير التنفيذي في محلية قلع النحل إذا هممت بالدخول اليه جرّدك من هاتفك حتى الصحافيين لايسمح لهم بحمل هواتفهم والاستثناء الوحيد هذا الجنرال الذي لم ترعبه مسيرات الجنجويد ولا دانات المدافع التي كانت تمطر مقر إقامته في كرري والمهندسين فكيف يخاف الهواتف الذكية؟.
[٥‏/٢، ٧:٠٠ ص] اسامة عبد الماجد: *أسامه عبد الماجد يكتب:*
*إحياء الرباعية*

0 رغم الانتصار العسكري الباهر والمهم الذي حققته القوات المسلحة بفك الحصار عن مدينة كادوقلي.. في توقيت كان فيه الشارع السوداني متعطشاً لانتصار يعيد بعض التوازن المعنوي.. إلا أن التحركات الخارجية بشأن ملف السودان بدت أسرع وأكثر كثافة من وتيرة الداخل.. هذا التسارع الخارجي كشف عنه بوضوح مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.. الذي أشار إلى نشاط مكثف للرباعية، في وقت ما زالت فيه بعض الجهات المحلية تحاول إقناع الرأي العام بعدم وجودها على أرض الواقع.
0 حسب بولس فقد أنهت الرباعية عملا استمر ثلاثة أشهر “هم شغالين ونحن نايمين”.. وشمل خمسة محاور رئيسية (الجانب الإنساني، حماية المدنيين، وقف إطلاق النار، إطلاق عملية سياسية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية، وإعادة الإعمار) .. ولا احد في الحكومة يكشف طبيعة هذا الدور الخارجي الغامض وأهدافه على المدى القريب والبعيد.
0 الأحداث الأخيرة تعكس هذا الغموض.. فقد كان وزير الخارجية محي الدين سالم امس في القاهرة دون أن يوضح أي مستجدات.. وقبلها أحيط الغموض برحلة مدير جهاز المخابرات إلى واشنطن.. وكذلك وفد ضم مدير المخابرات ومدير الاستخبارات العسكرية وسكرتير القائد العام.. كل هذه التحركات تجري في صمت وكأن الأمر لا يعني الرأي العام السوداني، بينما كانت الرسائل الإقليمية والدولية أكثر وضوحا وجرأة.
0 اكدت مصر مرارا أن جهودها في السودان تأتي ضمن مظلة الرباعية.. وكان البعض يستهجن لغة التأييد تلك من القاهرة الى الإمارات.. بينما المملكة السعودية أعلنت عبر سفيرتها في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر أن مساعيها تتوافق أيضاً مع أهداف الرباعية.. وهو ما يثير القلق من التدخل الخارجي وامكانية التاثير على المصالح الوطنية.. اما الإمارات فغسلت يديها من الدم واعلنت عن تبرع نصف مليار دولار للسودان خلال ما سمي بالمؤتمر الإنساني لأجل السودان.. وهى محاولة لتبييض وجهها.
0 ان الرباعية فيما يبدو اصبحت واقعاً وفي طريقها الى محطة الوصول الى حكومة مدنية.. وهو ماجاء في مباحثات الرئيس التركي، مع ولي العهد السعودي امس بتحديد ملامح الحكومة المدنية القادمة.. باستبعاد الجماعات المتطرفة والجهات التي ارتكبت جرائم بحق الشعب السوداني.
0 الرسالة التي فهمناها أن الحديث عن “حكومة مدنية” في الخارج يعني بالضرورة عدم استمرار الحكومة الحالية بقيادة كامل إدريس.. وأن هناك طبخة سياسية خلف الكواليس، قد تفرض على الشعب السوداني دون مشاركة حقيقية.. ويمكن للغموض أن يستمر ويثير القلق العام ويضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.. أما الأخطر بحسب بولس فهو كشفه عن إنشاء آلية أممية لسحب القوات من بعض المناطق، ما يفتح باب تدخل محتمل للأمم المتحدة، ويثير أسئلة مهمة حول طبيعة التفويض ومن يقرر انسحاب الجيش ومن سيحل محله.
0 بصراحة.. كل المؤشرات توحي بأن الحكومة السودانية تتعرض لضغوط غير معلنة.. تشبه أسلوب الترهيب السياسي الذي استخدمته إدارة ترامب مع خصومها من فنزويلا إلى إيران، حيث تُذكر القادة أن البدائل جاهزة حال لم يلتزموا بالمسار المرسوم.. ولذلك فيما يبدو أعلن بولس وبثقة التوصل إلى النص النهائي لاتفاق سلام في السودان.. وأن الوثيقة حظيت بقبول طرفي النزاع – بحسب وصفه – ومضى الى تحصينها برفعها إلى مجلس الأمن.. والناس لاتزال في محطة وصفه (بتاجر الخردة)
0 تحدث بولس عن حشد 1.5 مليار دولار لدعم السودان، بينها 200 مليون دولار إضافية من الولايات المتحدة.. فيما أعلنت الإمارات وحدها تبرعا بـ (500) مليون دولار، وهو مبلغ الحشد ضئيل مقارنة بحجم المعاناة والاحتياجات.. “باعونا بالرخيص” وكل ذلك يحدث بينما صمت الحكومة السودانية يزداد إرباكا وقلقا لدى المواطنين.
0 حسناً.. علي القيادة والحكومة إصدار بيانات دورية توضح تحركاتهما الداخلية والخارجية .. وتحمل البيانات التأكيد على سيادة السودان في أي اتفاقيات أو تدخلات.. إشراك الأحزاب والنقابات والهيئات الشعبية في النقاش حول مستقبل البلاد.. استثمار المساعدات المالية والإنسانية في برامج تنموية حقيقية.. ضمان أن أي انسحاب أو تعديل في الانتشار العسكري يتم وفق قرارات وطنية، دون فرض خارجي مباشر يهدد الاستقرار الداخلي.
0 ومهما يكن من أمر.. القيادة مطالبة بالتحرك بحزم وبنفس الروح القتالية التي أفضت إلى تحرير كادوقلي.. وإلا فإن القصر الرئاسي سيشهد تكرار مشاهد الإهانة ذاتها مرة أخرى.. حيث سيمتلئ سور القصر بالملابس الداخلية للجنجويد من جديد.

الأربعاء 4 فبراير 2026
osaamaaa440@gmail.com
[٥‏/٢، ٧:٠٧ ص] ‏‪+20 11 10751909‬‏: زيارة أردوغان للمنطقة العربية إعادة ترتيب الأولويات
بقلم: جهاد حسين
الكرامة :
يشهد الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر مراحل تاريخه تعقيداً، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الأيديولوجيا في مخاض عسير أعاد رسم خارطة التحالفات التي ظن الكثيرون أنها استقرت على «تصفير المشاكل» قبل السابع من أكتوبر. إن المشهد الحالي يتجاوز مجرد ردود الفعل اللحظية، ليصل إلى إعادة تشكيل «كتلة صلبة» لمواجهة الطموحات الإسرائيلية والتوجسات من فراغ استراتيجي قد تخلفه الضغوط على إيران.
من القطيعة إلى «براغماتية الضرورة»
لسنوات، ساد استقطاب حاد بين «محور الاستقرار» (الذي تقوده السعودية ومصر) وبين تركيا وقطر على خلفية أحداث 2013 ودعم تيار الإخوان المسلمين. هذا السجال الدبلوماسي، الذي وصل حد القطيعة والمقاطعة، بدأ يذوب تدريجياً ليس حباً في التقارب، بل استجابة لضرورات جيوسياسية ملحة.
التقارب التركي-العربي:
لم يعد التحالف بين أنقرة من جهة، والرياض والقاهرة من جهة أخرى، مجرد تبادل تجاري، بل أصبح ضرورة أمنية. يقول أحد الدبلوماسيين في بروكسل: «لقد أدركت تركيا أن نفوذها في المتوسط يبدأ من القاهرة، وأدركت الرياض أن عمقها الأمني يتطلب شريكاً إقليمياً قوياً بحجم أنقرة».
المصالحة القطرية:
انتهت حقبة «حصار قطر» لتبدأ مرحلة من التنسيق الوثيق، حيث أصبحت الدوحة اليوم همزة الوصل الأكثر حيوية بين الفصائل الفلسطينية والقوى الإقليمية، وهو دور باركه الجميع بعد أن كان سبباً في الخلاف.
7 أكتوبر: اللحظة التي أوقفت «قطار التطبيع»
جاءت عملية «طوفان الأقصى» لتقلب الطاولة على المشاريع التي كانت تهدف لدمج إسرائيل في المنطقة دون حل القضية الفلسطينية. لقد أعادت الحرب في غزة التحالفات إلى وضعها التقليدي: تحالفات مضادة للتوسع الإسرائيلي.
إن التخوف الإقليمي اليوم، وخاصة في تركيا ومصر، ليس من قوة إيران فحسب، بل من «الفراغ» الذي قد ينتج عن تراجعها تحت ضغط الحصار الأمريكي-الإسرائيلي. يرى المحللون في أنقرة أن أي انكماش إيراني غير مدروس قد تملأه إسرائيل بتمدد أمني وعسكري في العمق العربي، وهو «الكابوس الاستراتيجي» الذي يجمع خصوم الأمس.
تصدع «البيت الخليجي» وملفات التقسيم
بينما تتقارب السعودية ومصر وقطر وتركيا، يبرز خلاف جوهري مع الإمارات العربية المتحدة. يظهر هذا التباين بوضوح في ملفات حساسة:
وحدة الأراضي: هناك جبهة شبه موحدة (سعودية، مصرية، تركية، قطرية) تقف بصلابة ضد أي تحركات تؤدي لتقسيم الصومال أو تفتيت السودان وليبيا واليمن.
التنافس الاستراتيجي: ينظر إلى الدور الإماراتي في بعض هذه الملفات على أنه يغرد خارج السرب، مما خلق حالة من «النفاد المضاد» أو الصراع الصامت تحت الطاولة.
إن ما يجمع أنقرة بالرياض والقاهرة والدوحة اليوم هو القلق المشترك من تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للهيمنة الإسرائيلية المطلقة في حال نجاح واشنطن في تحجيم إيران كلياً. هذا القلق دفع هذه القوى لتجاوز «عقدة الإخوان» و«خلافات الشرعية» للتركيز على بناء صد سياسي وجيوسياسي يحمي الدولة الوطنية من شبح التقسيم والتبعية.
وهنا ثمة اتفاق تام على ضرورة الحافظ على وحدة وسلامة الأراضي التي تشهد حروباً ونزاعات مثل السودان واليمن وليبيا وجاء في هذا السياق على لسان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي:
«أطلعت الرئيس أردوغان على الاتصالات والمجهود الدبلوماسية التي تقوم بها مصر من أجل الحفاظ على وحدة وسلامة السودان الشقيق».
وكذا هو الحال بالنسبة للسعودية خصوصاً في الحالة اليمنية التي تعتبر السعودية نفسها المسؤول الأول عن أمنها واستقرارها منذ قيام عملية «تحالف دعم الشرعية» إذ تسعى الآن لمواجهة التقسيم الذي تشرف عليه الإمارات وهذا تم التأكيد عليه في زيارة أردوغان للسعودية ولقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حيث جاء في ختام الزيارة:
«في الشأن اليمني، أكد الجانبان دعمهما للشرعية اليمنية ممثلة بفخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية وحكومته، مشددين على أهمية الحفاظ على سيادة اليمن ووحدته وسلامة أراضيه».
أما في الحالة السودانية فالأمر يعزز الاتفاق الكلي حول قضايا المنطقة المتعلقة بالاستقرار ورفض تفكيك مؤسسات الدولة إذ جاء في البيان:
«وفي الشأن السوداني، أكد الجانبان مواقفهما الثابتة والداعمة لوحدة السودان والمحافظة على أمنه واستقراره وسيادته، ورفض تشكيل أي كيانات غير شرعية أو موازية خارج إطار مؤسسات الدولة السودانية الشرعية، ومنع تدفق الأسلحة الخارجية غير الشرعية».
هنا نتلمس بشكل جديد إذ يشكل التهديد المحتمل من تفكك الدول وانفراط عقد استقرارها مدخلاً لإسرائيل لمواجهة وزعزعة استقرار هذه الدول، فالسعودية وتركيا سوف تكونان الهدف المحتمل في محاولة إسرائيل المستمرة لتحجيم الدول وقدراتها من حولها، لقد مضت العلاقات التركية والسعودية أبعد من مجرد التحالف الاقتصادي إذ أصبح التحالف الأمني هو الأساس لمواجهة التحديات والتهديدات الإسرائيلية جاء في البيان المشترك:
«الجانب الدفاعي والأمني، اتفق الجانبان على ضرورة تفعيل الاتفاقيات الموقعة بين البلدين في مجالات التعاون الدفاعي، وأكدا رغبتهما في تعزيز وتطوير علاقاتهما الدفاعية بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة».
الإمارات: استراتيجية «التحليق المنفرد» وتغيير الأولويات
بينما تعيد المنطقة رسم خارطة تحالفاتها، تبدو الإمارات وكأنها تقرأ من كتاب قواعد مختلف، فهي لم تعد تكتفي بالتحالفات الإقليمية الكلاسيكية، بل مضت شرقاً لترسيخ تحالف استراتيجي مع الهند، معتبرة إياها شريكاً اقتصادياً وأمنياً يفوق في أهميته التكتلات التقليدية.
هذا التوجه يأتي بالتوازي مع انخراطها في قيادة ما يمكن تسميته «مشروع السلام المتخيل»، وهو مسار تطبيعي يتحرك وفق الرؤية الإسرائيلية للمنطقة، والتي تهدف إلى دمج إسرائيل كعنصر استقرار وتنمية بمعزل عن حلحلة الملفات التاريخية العالقة.
صراع الأيديولوجيا مقابل المصالح القومية
تكمن المفارقة الكبرى في كيفية إدارة الإمارات لملف الخصومات؛ حيث تظهر حبيسة لصراع أيديولوجي وجودي مع تيار «الإخوان المسلمين». هذا العداء لم يعد مجرد شأن داخلي، بل تحول إلى بوصلة تُوجّه السياسة الخارجية الإماراتية، مما أدى إلى خلط واضح في الأولويات:
الأولوية الإماراتية: ترى في تقويض الإسلام السياسي خطراً يسبق في أهميته الصراع العربي الإسرائيلي.
النتيجة: بناء تحالفات تخدم هذا الهدف الأيديولوجي، حتى لو أدى ذلك إلى تباعد في المواقف مع العمق العربي.
النموذج (السعودي-المصري): براغماتية الاستقرار
على الضفة الأخرى، تقدم السعودية ومصر نموذجاً مغايراً يعتمد على «تصفير المشاكل» وتغليب المصلحة الاستراتيجية على الخلاف الفكري. يتجلى ذلك في:
التحالف مع تركيا: رغم التباينات الأيديولوجية السابقة، تجاوزت القاهرة والرياض الخلافات مع أنقرة لبناء جبهة قوية تضمن الاستقرار الإقليمي.
التنسيق في السودان: التعامل مع الأزمات الحدودية والوجودية كأولوية قصوى تتطلب تجميد النزاعات الجانبية.
فصل الأيديولوجيا عن المصلحة
تتبنى السعودية، بخطواتها المتزنة، مبدأً أن التهديدات الجيوسياسية الكبرى (مثل التوسع الإيراني أو عدم الاستقرار الحدودي) تتطلب تحالفات عريضة لا تقف عند حدود الانتماء الفكري للشركاء.
الخلاصة: بينما تتحرك الرياض والقاهرة وفق منطق «الدولة الوطنية» وحماية الأمن القومي بمفهومه الشامل، تندفع أبوظبي نحو صياغة «شرق أوسط جديد» تقع فيه محاربة الأيديولوجيا في قلب الاستراتيجية، مما يجعلها تغرد بعيداً عن السرب الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من ثوابت الصراع العربي الإسرائيلي
[٥‏/٢، ٧:٢١ ص] ‏‪+249 91 216 2217‬‏: وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

الرباعية ومأزق الوساطة…

تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس أمس، عن الأمل في التوصل إلى هدنة إنسانية في السودان، تكشف بوضوح محدودية الرباعية الدولية وارتباط مواقفها بمحاولات إنقاذ مليشيا الدعم السريع، التي بدأت تنهار على الأرض .

حيث، أعلن بولس أن اللجنة الرباعية توصلت إلى النص النهائي لما وصفته بـ“اتفاق السلام”، مع وثيقة يُعتقد أنها مقبولة لدى طرفي الصراع، تمهّد لهدنة إنسانية، وسيتم رفعها إلى مجلس الأمن الدولي بعد تصديق الرباعية عليها. وأشار إلى آلية وضعتها الأمم المتحدة لانسحاب مقاتلي الطرفين من بعض المناطق لتسهيل تدفّق المساعدات الإنسانية .

لكن هذا الإطار الدولي، كما يرى الموقف السوداني، لا يسعى لإنهاء التمرد بقدر ما يعمل على تكريسه، عبر ترسيخ مناطق سيطرة للمليشيا ومنحها اعترافًا غير مباشر، بدل تصنيفها كجماعة إرهابية ومساءلتها عن الجرائم المرتكبة، بينما تُستخدم المساعدات الإنسانية كغطاء لتقوية تلك المواقع.

على الجانب الرسمي، ظل موقف الحكومة السودانية حاسمًا وواضحًا، إذ أكّد وزير الخارجية محيي الدين سالم في وقت سابق أن “الرباعية” ليست إطارًا شرعيًا لعدم صدورها بقرار من مجلس الأمن، وأن علاقات السودان الخارجية تقوم على الندية والمصالح المتبادلة، لا على الضغط و الابتزاز السياسي. كما أن رفض هذا المسار لم يعد مجرد موقف دبلوماسي، بل موقف وطني وأخلاقي، خاصة بعد ثبوت تورّط دولة عضو فيه هي الإمارات، في دعم المليشيا، وهو ما أسقط شرعية هذا الإطار في نظر الدولة والرأي العام.

اللافت أن تصريحات بولس عن هدنة أو مساعدات إنسانية دائماً يسبقها تقدّم ميداني للجيش السوداني، ما يفضح أن الرباعية تتصرف كغطاء سياسي لجهة منهارة، لا كوسيط يسعى لإعادة الدولة أو حماية المدنيين.

في مقابل الرباعية، أبدى السودان انفتاحًا مأمولا على المبادرة السعودية – الأميركية، باعتبارها منصة تحترم سيادة الدولة ولم تُقدّم كطرف منحاز، ما يجعلها إطارًا قابلًا للتطبيق لتنفيذ المبادرة السودانية للسلام التي طرحها د. كامل إدريس أمام مجلس الأمن أواخر العام الماضي : وقف إطلاق نار مراقب، انسحاب القوات المتمرّدة، تجميع ونزع السلاح وإعادة الدمج ، وعدالة انتقالية ، يتبعها حوار سوداني شامل وانتخابات حرة ونزيهة.

هذه المبادرة تمثل رؤية الحكومة السودانية للسلام تقوم على الشرعية الوطنية، وليس على ابتزاز دولي أو إقليمي أو حماية ميليشيات منهارة.

على الأرض، وخلال الأيام الماضية تغيّر ميزان القوة لصالح الدولة: القوات المسلحة السودانية حقّقت تقدمًا ملموسًا في محاور كردفان الست، وفكّت حصار مدن استراتيجية مثل الدلنج وكادوقلي، وتمضي تجاه أخرى ما منحها شرعية واقعية تستند إلى السيطرة الميدانية واستعادة المبادرة.

كذلك تأكيد الفريق أول عبد الفتاح البرهان رأس الدولة قائد الجيش أن أي تسوية أو هدنة يجب أن تراعي واقع القوة على الأرض، وأن تشمل انسحاب المليشيا ونزع سلاحها، بما يتوافق تمامًا مع المبادرة السودانية للسلام. الانتصارات الميدانية هنا ليست مجرد تقدّم تكتيكي، بل قاعدة وازنة لتأكيد السيادة الوطنية وتثبيت الموقف السياسي أمام العالم.

إقليميًا أعادت الخرطوم ترتيب أوراقها بذكاء: الدور المصري تحول من الوسيط الداعم إلى حليف استراتيجي، مؤكّدًا أن وحدة السودان وسلامة أراضيه قضية وجودية ووضع فيها خطوط حمراء، بينما تراجع احتكار الرباعية للمبادرة لصالح توازنات جديدة تشمل تركيا وقطر، مع تنامي التنسيق مع القاهرة والرياض، ما يحوّل الخرطوم إلى مركز ثقل سياسي يُعاد منه ضبط الإيقاع الإقليمي وإحكام الرؤية الوطنية السودانية للحل .

نجحت الخرطوم أيضًا في استثمار التعاطف الدولي عقب فظائع الفاشر لتعزيز سرديتها: النزاع ليس صراع داخلي، بل حرب بالوكالة تُخاض للسيطرة على موارده الطبيعية تستخدم ميليشيا مرتزقة مدعومة خارجيًا.

وقد أحسن وزير الخارجية وكل البعثات السودانية بالخارج صياغة هذه الرواية، مؤكدين أن ما يجري ، هجوم مسلح مدعومة من الخارج، ما يضع الرباعية في موقف محرج: محاولة الوساطة صارت مرتبطة بإعادة حماية طرف منهار، وليس بتحقيق السلام أو منع الانتهاكات .

مع الرفض الواسع للرباعية وصعود تحالفات إقليمية جديدة، تتشكل ثلاثة مسارات محتملة : تعميق المحور السعودي السوداني المصري ، بروز وساطة تركية ،قطرية موازية أو داعمة ، أو إعادة تدويل جزئي عبر الأمم المتحدة وفق خارطة الطريق السودانية بالنظر لجولة خارجية يقوم بها هذه الأيام رئيس الوزراء كامل ادريس تشمل جنيف ومحطات أخرى.

كل هذه السيناريوهات تؤكد أن السودان لم يعد في موقع الدفاع السياسي، بل أصبح فاعلًا يملك رؤية واضحة، خيارات متعددة، وقدرة على فرض شروطه.

هكذا ، وبحسب #وجه_الحقيقة يتضح أن السودان يكتب الآن قواعد جديدة للوساطة الدولية، قائمة على السيادة، القوة الميدانية، والحضور الدبلوماسي، بينما الرباعية تظل في مأزقها، عاجزة عن تقديم أي إطار يحمي مصالح الدولة أو شعبها. الانتصارات العسكرية المصحوبة بخطاب سياسي ودبلوماسي مدروس، تجعل أي محاولة لإعادة تدويل الأزمة من الخارج مرتبطة بشروط الخرطوم وحدها، في رسالة صريحة أن السلطة والشرعية لا تُعطى، بل تُنتزع على الأرض وتفرض على العالم.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 5 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole