*خبر وتحليل : عمار العركي *المليشيـا تقاطـع العروبة* *وتـغـازل الأفـريـقـانيــة*

خبر وتحليل : عمار العركي

*المليشيـا تقاطـع العروبة*
*وتـغـازل الأفـريـقـانيــة*
_______________________
لم تعد الحرب مجرد تمرد على السلطة أو مواجهة عسكرية ، بل تحولت إلى ساحة لإعادة رسم التموضع الإقليمي وإعادة تعريف الهوية السياسية ، وفي خضم هذا التحول برز خطاب جديد للمليشيا المتمردة ، الذي يقوم على مغازلة الفضاء الأفريقي وتقديم “التمرد العدواني ” بوصفه امتدادًا لسرديات “الهامش” والتهميش التاريخي في مواجهة “المركز” .

هذا التحول في الخطاب تزامن مع انفتاح سياسي شهدته بعض عواصم شرق أفريقيا ودول هيئة التنمية “إيغـاد” ، ومع التماهي والاستقبال الصريح لقيادة المليشيا في دول مثل يوغندا وكينيا وإثيوبيا وجنوب السودان. كما تزامن مع أداء غير محايد ومتردد من قبل الاتحاد الأفريقي و ” إيغاد” في مقاربة الأزمة السودانية، سواء عبر استمرار تجميد عضوية السودان في الاتحاد، أو عبر مسارات وساطة تسعي في منح المليشيا حضور وشرعية سياسية تتجاوز طبيعتها القانونية الإرهابية .

في هذا السياق، يقدّم “حميدتي” نفسه بخطاب “أفريقاني” يتجاوز الإطار الوطني، مستدعيًا مفردات العدالة التاريخية، ومظلومية الهامش، والوحدة الأفريقية، في محاولة لإعادة تعريف التمرد والتأمر باعتباره “نضال هوية” ، وهو خطاب يعيد إلى الأذهان تجربة “معمر القذافي” حين سعى إلى توظيف الأفريقانية لبناء نفوذ سياسي عابر للحدود داخل القارة ، غير أن الفارق الجوهري يكمن في السياق والشرعية ، فالقذافي تحرك من موقع دولة قائمة بمؤسساتها ومواردها، بينما تتحرك المليشيا من خارج إطار الدولة، ما يجعل “الأفريقانية” هنا أقرب إلى أداة تكتيكية للبحث عن مظلة سياسية، لا مشروعًا قاريًا متكاملًا.

وليس مستغربًا أن يتبنى هذا الخطاب كيانٌ مُعقد التكوين، عابر للحدود في بنيته البشرية والاجتماعية. فالمليشيا تمثل خليطًا من عرب الشتات، وقبائل عربية سودانية، وأخرى ممتدة ومشتركة مع تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، إضافة إلى عناصر مرتزقة من دول أفريقية وآسيوية. هذا التكوين الهجين يمنحها قابلية للحركة بخطاب مرن يعيد تعريف نفسه وفق الحاضنة الإقليمية المتاحة، ويجعل مسألة الهوية أداة سياسية أكثر منها انتماءً راسخًا.

في المقابل، بدا الفضاء العربي أقل قابلية لاستيعاب هذا الطرح ، فقد ظل موقف دول محورية مثل مصر والسعودية وقطر والجزائر واضحًا في تأكيده على وحدة السودان وسيادة مؤسساته ورفض شرعنة الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة. هذا الوضوح ضيّق هامش المناورة عربيًا، فكان الاتجاه نحو أفريقيا خيارًا براغماتيًا يستثمر في التباينات داخل الإقليم ويبحث عن مساحات رمادية يمكن التحرك فيها.

غير أن الإشكال لا يكمن فقط في تبدل الخطاب، بل في قابلية بعض المنصات الإقليمية لتلقّيه دون مساءلة. فإذا تحولت “الأفريقانية” إلى مظلة تمنح شرعية سياسية لكيانات مسلحة متهمة بانتهاكات جسيمة، فإن ذلك يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تتجاوز السودان، وتهدد مفهوم الدولة الوطنية في الإقليم بأسره. فالصمت أو التردد داخل بعض الدوائر الأفريقية لا يُقرأ حيادًا بقدر ما يُقرأ موقفًا سياسيًا ضمنيًا.

السودان، بحكم موقعه الجيوسياسي، ليس دولة هامشية في معادلات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والعمق العربي. ولذلك فإن إعادة تعريف هويته السياسية – بين فضاء عربي وفضاء أفريقي – ليست مسألة ثقافية، بل أداة صراع واستقطاب. غير أن اختزال الأزمة في ثنائية “عروبة مقابل أفريقانية” يظل تبسيطًا مخلاً؛ فالسودان تاريخيًا ينتمي إلى الدائرتين معًا، وأي محاولة لاستخدام إحدى الهويتين كسلاح سياسي في معركة داخلية تحمل في طياتها مخاطر تفكيك النسيج الوطني وإعادة إنتاج الانقسام على أسس خطرة.

وفي ضوء هذا المشهد، لم يعد كافيًا أن تكتفي الخرطوم بردود فعل خطابية أو بانتظار تبدل المزاج الإقليمي. فالتماهي الذي تبديه بعض الدول الأفريقية مع المليشيا، ومنحها غطاءً سياسيًا تحت لافتة “الأفريقانية”، يفرض على السودان تحركًا أكثر جدية ومباشرة داخل الفضاء الأفريقي نفسه. المطلوب ليس انسحابًا أو قطيعة، بل اشتباك مؤسسي واعٍ مع الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية، وبناء تحالفات داخل القارة تعيد تثبيت مركزية الدولة الوطنية، وتضع خطوطًا فاصلة بين الوساطة السياسية ومنح الشرعية لكيانات متمردة.

استعادة المبادرة لا تتحقق بترك الساحة، بل بملئها برواية الدولة ومصالحها، وبالانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل المنظم. فالمعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في المنصات والمنابر ، وفي تعريف الأزمة ، وفي تثبيت سردية من هو صاحب الشرعية ومن هو خارجها.

*خلاصة القول ومنتهاه*
إن مقاطعة العروبة ومغازلة الأفريقانية ليستا تحولًا عميقًا فكريًا أو ثقافيًا بقدر ما هما انعكاس لحسابات تكتيك سياسي محدود من أجل تموضع جديد.

السؤال الجوهري : كيف يمكن لمليشيا ممارسة الشرعية والسيادة الوطنية وهي لا تمتلك أدواتها وعواملها الواقعية؟ وللدائرة الأفريقية، كيف تؤمن مخاطر منح مظلة وغطاء “الأفريقانية” لكيان ليس أفريقيًا بما يهدد ويزعزع هوية ووحدة القارة؟

السودان ظل على مر تاريخه يوازن بين الدائرتين، محافظًا على مصالحه الوطنية واستقرار الدولة. وبين خطاب المليشيا الموجه وخطاب بعض الدول الأفريقية المتهاون، يبقى الرهان على صحوة ولحظة وعي سياسي إفريقي يميز بين الشعارات والشرعية، وبين التكتيك السياسي ومصلحة القارة الإفريقية وشعوبها.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole