*رشان أوشي.. حين يصبح كشف الفساد ثمنه السجن* *بقلم: بكري خليفة*

الفساد في السودان لا يحتاج إلى من يرتدي نظارة ليراه؛ فهو، في تقديري، كالشمس يراه الجميع. فمنذ أيام نظام البشير، كان المراجع العام يكشف سنويًا حجم الفساد والتجاوزات، لكن لم تكن هناك محاسبة أو عقاب. وبشهادة المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين وقتها، الشيخ صادق عبد الماجد، فإن حكومة الإنقاذ كانت من أكثر الحكومات فسادًا في تاريخ السودان. ثم ظهر لاحقًا قانون “التحلل” ليستر سوءات الفساد، لكنه في الحقيقة كشف مدى تغلغل الفساد داخل مؤسسات الدولة السودانية.
وبعد الثورة وحتى اليوم، لا يزال ملف الفساد حاضرًا، وقد أزكم الأنوف وأسهم في تعطيل تطور الدولة، التي زادت مآسيها مع اندلاع حرب 15 أبريل.
وفي تقديري، فإن الصحفيين من أهم الجهات التي تسهم في كشف الفساد، عبر الأخبار والتحقيقات الصحفية والمصادر التي يمتلكونها. ورغم حالة الإحباط التي يعيشها كثير من الصحفيين بسبب إفلات الفاسدين من العقاب، فإنهم يواصلون أداء واجبهم المهني والأخلاقي لإرضاء ضمائرهم. ولو وجد الفاسدون العقاب الرادع، لارتدعوا عن أكل المال العام. ففي دول مثل الصين وكوريا، تصل عقوبات الفساد إلى الإعدام حفاظًا على مكتسبات الدولة وحقوق المواطنين، بينما عندنا يُنقل الفاسد إلى موقع آخر وكأن شيئًا لم يكن. وينسى البعض أننا دولة إسلامية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها”، وحاشا للسيدة فاطمة، سيدة نساء العالمين.
وتُعد رشان أوشي من الصحفيين القلائل الذين نذروا أنفسهم لكشف الفساد، وهم يدركون أنهم يدخلون “عش الدبابير”، فالمهمة شاقة، والفاسدون يمتلكون وسائل وأساليب لمحاربة من يكشفهم، فضلًا عن الطرق التي تحميهم. لكن رشان كانت واضحة وشجاعة في كتاباتها التي فضحت الفساد، ذلك الفساد الذي أسهم في تعطيل نهضة البلاد. وفي ظل غياب التفعيل الحقيقي لقوانين مكافحة الفساد والمحاسبة، قد يظن البعض أن سجن الصحفيين، كما حدث مع رشان، سيخيف الأقلام الحرة ويمنعها من متابعة ملفات الفساد، لكن هيهات؛ فمعظم الصحفيين يدركون أن أولى خطوات الإصلاح تبدأ بكشف الفاسدين، ثم يأتي دور السلطات في التحقيق والمحاسبة.
رشان أوشي، السجن لن يكون سوى تجربة عابرة، ستخرجين منها أكثر قوة، كما خرج سيدنا يوسف عليه السلام من السجن ليحكم مصر بعد ذلك. وستخرجين، فيما أركان الفساد في السودان إلى زوال، فلا يصح إلا الصحيح.
ولا ينبغي أن يقتصر دور محاربة الفساد على الصحفيين وحدهم، بل على الجميع أن يدلي بدلوه في هذه المعركة الوطنية. فقد أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي قدرتها وتأثيرها في كشف الفساد وخلخلة عروش الفاسدين. وحتى تأتي المحاكمات الرادعة، يجب أن يعمل الجميع على فضح الفساد، من أصغر موظف في الدولة إلى أعلى مسؤول.
رشان أوشي، لن تسيري وحدك، فمعك دعم الشرفاء من أبناء هذا الوطن، وكل الصحفيين، وكل الحادبين على نهضة السودان ومحاربة الفساد. تصحبك الدعوات حتى تخرجي من السجن، فكم من مظلوم خلف القضبان، وكم من ظالم ما يزال حرًا طليقًا.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole