شَكَّل السادس من أبريل علامةً فارقة مرتين في تاريخنا؛ الأولى في ١٩٨٥ حين نجحت الانتفاضة الشعبية في الإطاحة بنظام مايو، والثانية في ٢٠١٩ حين توافد الثوار، بأعدادٍ سَدَّتْ عين الشمس، للاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة مطالبين باستجابتها للإرادة الشعبية وإعلان سقوط نظام “الإنقاذ”.
تحلُّ اليوم ذكرى السادس من أبريل، والحرب في بلادنا تقترب من دخول عامها الرابع وشعبنا يقاسي من أهوالها ما تنوء بحمله الجبال .. وأمام هذا الواقع الكارثي، لم يَعُدْ مُجْدِياً ولا مقبولاً أن تَدَّعي أية جهة – مدنية أو عسكرية – امتلاك الحق الحصري في تقرير مصير البلاد. فلا جهة مؤهلة، في ضوء ما آلت إليه الأمور، لأن تُلَوِّح بشهادة براءة من الأخطاء وتخرج على الآخرين بثياب الواعظين ومنطق الوصاية .. ومع ذلك، سَتُمَيِّز مضابطُ التاريخ بين من أسهم في تعقيد الأزمة لدرجة اندلاع الحرب ومن سعى إلى تجنبها أو الخروج منها.
المطلوب اليوم ليس مجرد إيقاف إطلاق النار، بل وعيٌ جديد يبدأ بالإقرار بأن السودانيين لا يملكون وطناً غير هذا السودان الذي تشكَّل من عِناق التاريخ والجغرافيا، ولا بديل لهم عن التعايش فيه على أساس تعاقدٍ يُنْتَهى إليه بالحوار والتوافق .. ذلك يستلزم هدنةً إنسانية تُمكِّن التدخل الإغاثي الفَعَّال، وتهيئ المناخ لتشكيل عقل وطني جماعي يَتصدَّى للأسئلة الشاخصة منذ الاستقلال:
كيف نُؤسِّس لوحدة طوعية قائمة على المواطنة المتساوية؟
كيف نحسم جدل الهوية وعلاقة الدين بالدولة؟
ما شكل الحكم المدني الديمقراطي الذي يضمن مشاركة الجميع؟
كيف يكون لنا جيشٌ واحد لا شأن له بالسياسة والحكم؟
وكيف نحقق العدالة التي تضمن عدم الإفلات من العقاب وتنصف الضحايا وتفتح أفق التعافي الوطني؟
كيف نُنجز الإصلاح المؤسسي، ونعيد هيكلة الاقتصاد على أساس إنتاجي تنموي، لمصلحة الجميع؟
كيف نبني ذاكرة وطنية تعترف بتجارب ومساهمات مختلف مكونات شعبنا؟
وكيف نكتب الدستور الذي يحوي جماع ذلك كله؟
إن الإجابة المشتركة على هذه الأسئلة هي طريق الخلاص، وهي ما يفسح المجال لبناء وطنٍ يليق بتضحيات شعبه وتطلعاته.
إذا كان السادس من أبريل يُذَكِّر السودانيين بنجاعة فعلهم الجماعي، فإن استحقاق اللحظة الراهنة يقتضي أن يُعَوِّلوا على أنفسهم، ويمسكوا بزمام المبادرة لإنقاذ وطنهم عبر التوافق على خيار الحل السياسي السلمي – والتعاون مع الجهود الدولية والإقليمية الساعية لتيسيره ودعمه – بدل الرهان على خيار الحسم العسكري، الذي أثبت فشله وكُلفته المُدَمِّرة في هذه الحرب والحروب السابقة.
خلاص وطننا من أزمته الخانقة ليس أمراً مستحيلاً، بل هو ممكن إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة، وطغى صوت العقل على قعقعة السلاح، وتلاقى الجميع على كلمةٍ سواء تَطوي صفحة الحروب وتُفضي إلى مسار وطني جديد لا يُكَرِّر خيبات الماضي.




