بسم الله الرحمن الرحيم
تنسيقية القوى الوطنية
……………….
السادة رئاسة ومشاركي مؤتمر برلين حول السودان
الموقرين
السلام عليكم ورحمة الله
يسرني أن أخاطبكم اليوم باسم تنسيقية القوى الوطنية السودانية، والتي تمثل عمق الشارع السوداني وتضم أطيافًا واسعة من المكونات المدنية والسياسية والمجتمعية السودانية وصناع ثورة ديسمبر المجيدة، وباسم الشعب السوداني الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه المعاصر، نتيجة الحرب المفروضة على السودان بواسطة مجموعة تمردت على الدولة وارتكبت أبشع الجرائم والانتهاكات في حق المدنيين الأبرياء من قتل وتشريد وتهجير قسري واختطاف النساء وبيعهن بغرض الاسترقاق والاستغلال الجنسي والإبادة الجماعية، وتدمير البنى التحتية وهددت الأمن والاستقرار في السودان.
إن التصنيف السليم لأسباب وأهداف الحرب في السودان يمثل المدخل السليم والأساسي لحل الأزمة، إذ إن ما يجري في السودان يتعدى مسميات التنافس على السلطة، إنما يمثل تقاطع المصالح الإقليمية والتمويل الخارجي واستهداف ثروات السودان والسيطرة على الموارد المعدنية والتحكم في البحر الأحمر وإحداث تغيير ديموغرافي وإعادة تشكيل الحدود.
ويؤكد ذلك الأسلحة المتطورة والدعم العسكري والتكنولوجي المتطور الذي يفوق مقدرات الميليشيا المتمردة، والمعلوم أن هذه الأسلحة المتطورة لا تتوفر إلا لدى الدول.
إن السلام المستدام في السودان لا يتحقق إلا عبر عملية وطنية شاملة تعبر عن إرادة السودانيين وتخاطب جذور الأزمة السودانية والأسباب البنيوية للنزاع، ويشارك فيها السودانيون دون إقصاء، وتؤسس لمسار وطني جامع يفتح الطريق نحو انتقال ديمقراطي.
لقد أرست مقررات مؤتمر جدة ٢٠٢٣ أساسًا مهمًا لوقف الحرب يتمثل في الالتزام بحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والتمهيد لوقف إطلاق النار.
لذلك فإن أي مبادرة جديدة ينبغي أن تبنى على هذه المقررات والمرجعيات لا أن تتجاوزها أو تعيد إنتاجها بصورة موازية.
كما أن تعدد المنابر دون تنسيق فعال يؤدي إلى تشتيت الجهود ولا يخدم جهود السلام.
إننا إذ نسجل اعتراضنا التام على تجاوز الدولة والحكومة الشرعية في السودان صاحبة الشأن وعدم دعوتها للمشاركة في هذا المؤتمر. نثمن السعي الجاد لحكومة السودان في الوصول إلى سلام مستدام وندعم رؤية الحكومة السودانية عبر خارطة الطريق التي قدمتها للأمم المتحدة والتي تهدف إلى وقف الحرب، وعودة النازحين، وترتيبات المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب، واستئناف العملية السياسية الشاملة التي تتوج بالانتخابات الحرة والنزيهة. ونثمن الخطوات الجادة التي تمت في هذا الشأن بتشكيل الحكومة المدنية والشروع في استكمال المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية والتوسع في فتح المعابر لإيصال المساعدات الإنسانية.
والنداءات والضمانات للعودة الآمنة للمعارضين السياسيين للبلاد، والعفو عن المقاتلين الذين يرغبون في تسليم أسلحتهم وترك القتال والعودة للوطن.
إن نجاح أي حوار سياسي يظل مرهونًا بطبيعته المدنية واستقلاله عن الأطراف العسكرية، ولا مصداقية لأي حوار لا يستند إلى هذا المبدأ.
إن بناء سلام مستدام في السودان لا يمكن أن يتم عبر إدماج الواجهات السياسية للقوى العسكرية في العملية السياسية. ولذلك، الموقف المبدئي لنا هو الرفض القاطع لمشاركة ما يسمى بحكومة تأسيس (والتي تمثل مليشيا الدعم السريع ومليشيا المتمرد عبد العزيز الحلو أهم مكوناتها) في العملية السياسية والحوار السوداني السوداني. إذ إن إشراك واجهات سياسية لقوة مسلحة يفتح الباب أمام عسكرة العمل السياسي ويتعارض مع أسس التحول الديمقراطي، ويمثل اعترافًا ضمنيًا بشرعنة القوة للوصول للسلطة. كما أن مشاركة كيانات مرتبطة بمليشيا متمردة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة يمثل تجاوزًا لحقوق الضحايا ويضعف مبدأ العدالة. كما أن مشاركة بعض دول الجوار المتورطة في دعم المليشيا المتمردة ودعمها بالمرتزقة، وفتحها لأراضيها ومطاراتها لتزويد المليشيا بالسلاح الوارد من دولة الإمارات، يمثل رسالة سالبة ويقدح في مصداقية وأهداف المؤتمر.
إن الطريق لسلام مستدام يستند إلى إرادة الشعب السوداني الذي يواجه ويلات الحرب وصاحب المصلحة الحقيقية، وليس عن طريق سرديات لمجموعات معزولة ليس لها ثقل جماهيري أو قبول، بل تمثل أحد أسباب الأزمة. وقد أصبحت رهينة للأجنبي وتتحدث بصوت الميليشيا والإمارات وتدعي زورًا أنها تسعى للسلام. وقد كانت وقفات السودانيين ضد مجموعة صمود في العواصم الأوروبية، وأشهرها في (تشاتام هاوس)، تعبيرًا حقيقيًا عن وزنها وتعبيرًا صادقًا أنها لا تمثل جموع الشعب السوداني ولا يحق لها أن تنصب نفسها متحدثًا باسمه.
لا شك أن أي مسار جاد لإنهاء الحرب في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربات جزئية تتجاهل أهم أسباب استمرار الحرب والمتمثلة في الدعم الخارجي الذي تتلقاه الميليشيا المتمردة، والذي يسهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وتعميق معاناة الشعب السوداني.
استمرار تدفق الدعم العسكري والمالي واللوجستي من بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وعلى رأسها دولة الإمارات، يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي والمواثيق الدولية، ويقوض الجهود الرامية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام، مما يتطلب ضرورة مساءلة ومحاسبة الدول الداعمة للميليشيا المتمردة وعدم السماح لها بأن تكون جزءًا من أي ترتيبات للسلام في السودان.
إننا نتابع بقلق بالغ الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الشعب السوداني بواسطة الميليشيا المتمردة وأعوانها، وما يصاحبه من صمت وتراخٍ من قبل المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والإقليمية، وفي ظل انتقائية واضحة في التعامل مع الأزمات، حيث تختلف شدة الإدانة وفقًا للمصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، فالدول ذات النفوذ الاقتصادي والسياسي مثل الإمارات العربية المتحدة تحظى بمعاملة أكثر تحفظًا حتى في ظل اتهامات جدية وأدلة واضحة.
إن تقاعس المجتمع الدولي يرتبط أساسًا بتشابك المصالح السياسية والاقتصادية وضعف أدوات الإلزام القانوني وازدواجية المعايير.
إن مخالفة قرار مجلس الأمن الدولي بحظر دخول السلاح إلى دارفور يجعل مصداقية مجلس الأمن على المحك، وكذلك التغافل عن مصادر توريد هذه الأسلحة والجهات المُموِّلة والدول التي ترسلها وتلك التي تسهل إيصالها للميليشيا المتمردة، كل ذلك يضع المجتمع الدولي وآلياته في موضع عدم المصداقية.
إننا نطالب بقوة بضرورة تصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية لما ظلت تقوم به من استهداف للمدنيين بشكل ممنهج وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان كالقتل والاغتصاب والتهجير القسري واستهداف المرافق الصحية والبنية التحتية للخدمات، وتهجير السكان، ومنع وصول المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وانتهاكات بحق النساء والفتيات، حيث ترقى تلك الجرائم إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد وثقت ذلك تقارير منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، وبعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وكثير من التقارير والاستقصاءات الصحفية.
إن مشاركة أطراف مرتبطة بالمليشيا المتمردة في هذا المؤتمر يضفي شرعية سياسية على أطراف عسكرية متورطة في النزاع، ويمثل تجاوزًا لحقوق الضحايا ومكافأة للمتورطين في الانتهاكات دون مساءلة، ويفتح الباب أمام عسكرة العمل السياسي، ويضعف ثقة الشارع في العملية السياسية خاصة في ظل قراءة ذلك مع تغييب الحكومة السودانية وغياب التمثيل الحقيقي والمتوازن للقوى الوطنية.
إن رؤيتنا وقناعتنا الراسخة لحل الأزمة السودانية وتحقيق السلام لا بد أن يتم ذلك عبر الحوار السوداني السوداني الشامل الذي يعبر عن إرادة وطنية حرة، ويمثل الإطار الأكثر واقعية لبناء توافق وطني والحفاظ على وحدة السودان ووضع أسس راسخة للسلام والمصالحة الوطنية وفق الآتي:
..ملكية سودانية كاملة للحوار.
..التأمين على وحدة السودان أرضًا وشعبًا وسلامة أراضيه.
..أولوية وقف الحرب وحماية المدنيين كأولوية قصوى.
..عدم مشاركة مليشيا الدعم السريع في تحديد مستقبل السودان.
..أن يقتصر دور المجتمع الدولي على الدعم الفني واللوجستي للحوار.
..رفض أي مبادرات تسعى لتجاوز الإرادة الوطنية السودانية وفرض حلول خارجية غير متوافق عليها.
..ربط أي مسار سياسي بوقف شامل لإطلاق النار وترتيبات إنسانية فعالة.
ونناشد المشاركين في هذا المؤتمر بضرورة:
١. اتخاذ التدابير اللازمة لتصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية.
٢. إصدار إدانة صريحة وواضحة لكل الجرائم والانتهاكات التي ظلت ترتكبها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين الأبرياء، ومحاسبة الأفراد والجهات المتورطة في الانتهاكات وضمان عدم الإفلات من العقاب وتصنيفها كمنظمة إرهابية.
٣. اتخاذ موقف حازم وإدانة أي دعم خارجي يسهم في تغذية النزاع ومساءلة الدول المتورطة في الحرب بدعم المليشيا المتمردة بالسلاح والمرتزقة كالإمارات وتشاد وليبيا وغيرهم.
٤. دعم الحوار السوداني السوداني كمسار وطني مستقل.
٥. تنسيق الجهود الدولية وتوحيد المنابر التفاوضية.
نجدد ترحيبنا بكل الجهود الصادقة الداعمة لتحقيق السلام في السودان، ونجدد التزامنا بالعمل سويًا من أجل سودان ديمقراطي موحد، ودعم تطلعات الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة.
ونأمل أن يسهم هذا المؤتمر في استقطاب وتوفير الدعم الحقيقي والمساعدات الإنسانية للاجئين والنازحين والمتضررين من الحرب، والمساهمة في إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
محمد سيد أحمد سر الختم
رئيس تنسيقية القوى الوطنية
١٥ أبريل ٢٠٢٦




