*عندما يبدأ التفاهم من فنجان قهوة*

في منطقتا، لا تُشرب القهوة على عجل، فهي ليست مجرد مشروب يومي، بل طقس اجتماعي كامل، يبدأ برائحة البن، ولا ينتهي إلا بعد أن تُقال الحكايات، وتُفتح الأحاديث، ويشعر الناس أنهم اقتربوا من بعضهم أكثر.

ولهذا، تبدو القهوة واحدة من أكثر التفاصيل البسيطة، قدرة على كشف التشابه العميق، بين المجتمعات العربية والكردية.
ففي البيوت العربية كما في البيوت الكردية، تحتل القهوة مكانة تتجاوز الضيافة التقليدية، لتصبح جزءاً من معنى الاحترام والألفة والتواصل الإنساني.

ومن بين العادات الاجتماعية التي حاولت حملة «تكامل… عرب وكرد… مصير مشترك»، التابعة لـ شبكة الاستشراف الدولية، التوقف عندها، كان هناك اهتمام واضح بإبراز التفاصيل اليومية الصغيرة التي تجمع العرب والكرد، لأن هذه التفاصيل غالباً ما تكون أكثر صدقا وتأثيراً من الخطابات الكبيرة.

فالقهوة، مثلاً، ليست مجرد عادة غذائية، بل مساحة اجتماعية كاملة، وفي كثير من المدن والقرى التي عاش فيها العرب والكرد جنباً إلى جنب، كانت جلسات القهوة واحدة من أهم مساحات التعارف وبناء العلاقات الإنسانية.
يجلس الناس حول فنجان صغير، لكنهم يتحدثون عن كل شيء، عن الأرض والسياسة، والرزاق والافراح والهموم، وحتى عن أحلام أبنائهم الصغيرة.

وفي الثقافة الكردية، كما في الثقافة العربية، ترتبط القهوة بالكرم واحترام الضيف وحسن الاستقبال، ولا يكاد يخلو بيت من تلك اللحظة التي يُقال فيها للضيف: “تفضل… اشرب قهوة أولاً”.

هذه البساطة الظاهرة تحمل في داخلها معنى أعمق بكثير، معنى أن الإنسان في هذه المنطقة، مهما اختلفت لغته أو قوميته، ما يزال يؤمن بأهمية الجلسة والحديث والعلاقة المباشرة مع الآخرين.

وربما لهذا السبب، بقيت المقاهي الشعبية حتى اليوم جزءاً مهماً من الحياة الاجتماعية لدى العرب والكرد على حد سواء، فالمقهى في الشرق ليس مكاناً لشرب القهوة فقط، بل مساحة للنقاش والجدل وتبادل الأخبار وحتى صناعة الصداقات.

ومن الجميل أيضاً، أن كثيراً من المقاهي في المدن المختلطة كانت عبر سنوات طويلة نقطة التقاء طبيعية بين أبناء المجتمع الواحد بمختلف انتماءاتهم.
فالناس كانوا يجلسون إلى الطاولة نفسها، ويتابعون الأخبار نفسها، ويختلفون أحياناً، لكنهم يعودون في النهاية إلى لغة الحياة اليومية المشتركة.

وهذا بالتحديد ما حاولت حملة «تكامل» التذكير به، اي أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط في المؤسسات السياسية، بل تتشكل أساساً في الحياة اليومية البسيطة، في الأسواق، والمقاهي، والبيوت، والمناسبات الاجتماعية.

لقد أرهقت السياسة المنطقة بما يكفي، وربما حان الوقت لكي تستعيد المجتمعات دورها الطبيعي في بناء مساحات التقارب الإنساني بعيداً عن التوتر والانفعال.

ومن اللافت اليوم أن وسائل التواصل الاجتماعي بدأت تنقل هذه التفاصيل الصغيرة إلى جمهور أوسع، صور جلسات القهوة الكردية، والمقاهي القديمة، والأغاني التي ترافق السهرات، وقد باتت تحظى باهتمام متزايد من جمهور عربي يكتشف تدريجياً حجم القرب الثقافي والاجتماعي بينه وبين المجتمع الكردي.

وهذا النوع من الاكتشاف الهادئ قد يكون أكثر أهمية مما يبدو، لأن الصور الذهنية السلبية لا تنهار غالباً بالنقاشات الحادة، بل بتراكم المشاهد الإنسانية البسيطة التي تجعل الإنسان يرى الآخر بصورة مختلفة.

وفي المجتمعات الشرقية عموماً، تبقى القهوة مرتبطة بفكرة “الوقت المشترك” أي أن الناس يمنحون بعضهم جزءاً من يومهم، و من اهتمامهم، وجزءًا من الإصغاء.

وربما هذا ما تحتاجه المنطقة اليوم أكثر من أي شيء آخر، أن تُصغي شعوبها إلى بعضها أكثر، بدل أن تكتفي بسماع الضجيج السياسي المتبادل، فأحياناً، قد يبدأ التفاهم الحقيقي، من فنجان قهوة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole