*مطبات طريق: حين يخرج “الشهد” من بين ركام الأزمات بقلم: وداد الماحي*

​ليس من السهل أن تكتب عن النجاح والفرح في وقتٍ تبدو فيه طُرقاتنا مليئة بالمطبات الحافلة بالتحديات والشجن، ومرارة الواقع تفرض نفسها على تفاصيل أيامنا في الداخل والخارج. ولكن، وسط هذه العثرات، تومض من حين لآخر منارات تذكرنا بأن هذه الأرض الولودة لا تموت، وأن “مطبات الطريق” مهما تعرجت واشتدت، فإنها لا تمنع الإرادة السودانية من الوصول إلى منصات التتويج العالمية، ليمتزج في وجداننا طعم “حلاوة الشهد” ببريق الذهب كبلسم يداوي جراح الروح قبل الأبدان.
​الخبر القادم من عاصمة الضباب لندن لم يكن مجرد خبر عابر؛ بل كان بمثابة طاقة أمل ونور يتبدد معه الكثير من الإحباط. حصول شركة البركة السودانية على الميدالية الذهبية في مسابقة لندن الدولية للعسل لعام 2026 عن منتجها المتميز “عسل القوة والطاقة بالغذاء الملكي – Extra VIP”، هو انتصار حقيقي للمنتج الوطني، وإثبات علني بأن التميز السوداني قادر على انتزاع الصدارة حتى في ظل أحلك الظروف.
​وفي تصريح خاص، أوضح الباشمهندس حسام الدين متوكل محمد فضل الله، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة البركة، أن الشركة تعد هي الوحيدة من السودان التي شاركت في هذه المسابقة العالمية العريقة التي تشهد سنوياً تنافساً محموماً بين مئات الشركات من مختلف قارات العالم. وأضاف أنه تم إعلان الفوز اليوم، على أن يتم التكريم الرسمي وتسليم الجوائز في العاصمة البريطانية في السابع والعشرين من يونيو المقبل.
​وأكّد الباشمهندس حسام الدين أن هذا الفوز يعتبر وسام شرف يجسد مصداقية الشركة الفائقة وجودة منتجاتها، مضيفاً أن التتويج بالذهبية سوف يعزز روح المنافسة الإيجابية بين الشركات السودانية، ويسهم بقوة في تعزيز مكانة السودان في سوق العسل العالمي، فضلاً عن دور هذا الإنجاز في جذب المستثمرين نحو قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في البلاد.
​مسيرة حافلة في أعرق المسابقات
​إن هذا التميز الجديد لم يكن وليد الصدفة؛ فجائزة لندن الدولية للعسل تعد من أقدم وأعرق المسابقات العالمية التي تخضع لبروتوكولات تحكيم وفحص مخبري صارم للغاية يترأسه علماء ومتخصصون. كما أن شركة البركة تمتلك سجلاً حافلاً بالريادة الإقليمية والدولية؛ إذ حازت سابقاً على العديد من الجوائز العالمية المرموقة، من بينها التتويج في معرض العسل الإفريقي في تونس، والتميز في معرض الباحة بالمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى حصدها المركز الثاني في معرض قطر الدولي للعسل بسوق واقف.
​هذه الخبرة التراكمية تؤكد أن المنتج السوداني ليس غريباً على منصات التتويج، وأن وصوله إلى ذهب لندن هو نتاج طبيعي لالتزام مستمر بمعايير الجودة العالمية.
​المنتجات السودانية: أصالة الطبيعة تتحدى المحن
​لطالما تميزت المنتجات السودانية بخاصية فريدة يفتقدها الكثيرون في عصر الصناعات الكيميائية؛ وهي “البركة والأصالة الطبيعية”. أرضنا لا تزال بكرًا، وغاباتنا ومراعينا تقدم للعالم منتجات عضوية (Organic) بنسبة مئة بالمئة دون تدخل بشري مشوه.
​حينما نتحدث عن الصمغ العربي، أو السمسم، أو الكركديه، والآن العسل السوداني، فنحن لا نتحدث عن سلع تجارية فحسب، بل عن “هوية الأرض” التي قاومت كل مطبات السياسة والاقتصاد لتثبت جودتها. فوز شركة البركة كمنظم سوداني وحيد في محفل دولي يخضع لأقسى معايير التحليل، هو رسالة للعالم بأن المنتج السوداني ليس مجرد منافس، بل هو معيار للجودة بحد ذاته.
​هذا التتويج يفتح أعيننا على “الذهب البديل المتجدد”؛ فقطاع النحل لولايات السودان المختلفة، الممتدة عبر غابات السدر والطلح والسيال، يمثل ثروة قومية ومورداً اقتصادياً ضخماً لو أُحيط بالرعاية والتنظيم، لأسهم في دعم الاقتصاد الوطني وفي إنعاش المجتمعات الريفية والمنتجة.
​العسل السوداني: شفاء للناس وأمل للمستقبل
​في موروثنا وثقافتنا، وفي عقيدتنا قبل كل شيء، العسل ليس مجرد تحلية أو غذاء، بل هو “فيه شفاء للناس”. والعسل السوداني، بفضل التنوع البيئي الهائل، يمتلك خصائص علاجية استثنائية:
​مضاد طبيعي للميكروبات: يُعرف العسل السوداني، وخاصة عسل الطلح والسدر، بقدرته العالية على مكافحة البكتيريا وفطريات الجسم.
​ترميم المناعة: منتج مثل “عسل الغذاء الملكي” الذي توج بالذهب، يمثل تركيبة مذهلة لتقوية الجهاز المناعي، ومساعدة الجسم على التعافي من الأمراض المزمنة، ومدّه بالطاقة الحيوية اللازمة لمواجهة الإرهاق والوهن.
​الطب البديل الناجع: في بيوتنا السودانية، كان العسل ولا يزال الخط الدفاعي الأول لعلاج نزلات البرد، الحروق، اضطرابات الجهاز الهضمي، ومشاكل سوء التغذية. إنه الصيدلية الربانية التي خرجت من رحم طبيعتنا الغنية.
​الاحتفالية الحقيقية وسط “المطبات”
​إن الاحتفاء بشركة البركة وبذاك الذهب اللندني ليس مجرد احتفال بـ “كأس أو ميدالية”؛ بل هو احتفال بـ “العزيمة والأمل”. وهي مناسبة لتقديم تحية إجلال خاصة لـ “الجنود المجهولين” خلف كواليس هذا الإنجاز؛ أولئك النحالين السودانيين والمنتجين الذين يواجهون مخاطر الطبيعة وظروف الحركة والإنتاج بالغة التعقيد في الولايات لجمع هذا العسل الصافي. لولا صبر هؤلاء على مطبات الطريق لما انقادت الصعاب، ولما وصلت “البركة” إلى منصة التتويج في لندن.
​إن المقاومة الحقيقية لمطبات الطريق التي نعيشها اليوم لا تكون بالشكوى، بل بالعمل والإنتاج الذي يفرض نفسه عالمياً ويصنع الفرح من قلب التحدي.
​مبارك لشركة البركة ولقيادتها ممثلة في الباشمهندس حسام الدين متوكل هذا الذهب المستحق، ومبارك للسودان هذه السمعة الطيبة التي تؤكد مجدداً: مهما كثرت مطبات الطريق، سيبقى شهد السودان دواءً، وستبقى خيراته علامة فارقة في تاريخ الجودة العالمية.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole