في 22 ديسمبر الماضي وقف رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي ليقول جملة تختصر الفارق الجوهري بين المسارين: نحن أهل السودان لدينا مبادرة وطنية بملكية سودانية خالصة. هذه الجملة وحدها تكفي لفهم أن ما يجري ليس تفاوضاً حول مبادرة واحدة بل صراع بين رؤيتين متوازيتين لمعنى السلام نفسه.
من حيث آلية وقف إطلاق النار: المقترح الأمريكي يتحدث عن وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات أمنية تبنى تدريجياً بعد الهدنة. أما مبادرة الحكومة السودانية فتقدم مباشرة وقفاً شاملاً لإطلاق النار تحت رقابة دولية وإقليمية مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية مقروناً — وهذا هو الفارق الحاسم — بانسحاب مليشيا الدعم السريع من كافة المناطق التي تحتلها لا انسحاب محدود كما في النص الأمريكي.
من حيث المساءلة: هنا يكمن أعمق فارق فلسفي. المقترح الأمريكي يكتفي بضمان خلو الحوار والعملية السياسية من الجماعات المتطرفة العنيفة والأفراد الذين ارتكبوا فظائع — صياغة عامة تفتقر لآلية تنفيذ واضحة. في المقابل تتضمن مبادرة الحكومة السودانية تفصيلاً دقيقاً حيث تنص على إعادة إدماج المقاتلين السابقين غير المدانين في الحياة المدنية ودمج المستوفين للمعايير في القوات النظامية وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) بدعم دولي وإقليمي لكن بشرط واضح لا لبس فيه هو أن لا سلام بدون مساءلة عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
من حيث القوات الدولية على الأرض: المقترح الأمريكي يقترح آلية أممية تقنية للإشراف على انسحاب المقاتلين من المدن وتحويلها لمناطق آمنة. لكن مبادرة الحكومة السودانية كانت حاسمة في هذه النقطة بالذات حين صرح د. كامل إدريس لاحقاً: لن نقبل بأي قوات أممية في السودان واكتوينا بجمرة هذه القوات الدولية في إشارة إلى تجارب سابقة اعتبرت فيها القوات الأممية عبئاً على السيادة أكثر من كونها حلاً. هذا الرفض القاطع يضع سقفاً واضحاً لأي تنفيذ مستقبلي بصرف النظر عمن يصوغ المقترح.
من حيث التعافي الاقتصادي: كلا المسارين يتحدثان عن صندوق لإعادة الإعمار ودعم المناطق المتضررة لكن مبادرة الحكومة السودانية تربط هذا البند صراحة بجبر الضرر في دارفور وكردفان عبر موارد حكومية ودولية مخصصة وهي صياغة أقرب لمنطق العدالة الانتقالية منها إلى الإغاثة الفنية البحتة في النص الأمريكي.
من حيث الشرعية والملكية هذا هو الفارق الحاسم فعلياً حيث إعتبر د. كامل إدريس مشاركته في مجلس الأمن اعترافاً بشرعية الحكومة المدنية في السودان وقال إن استجابة المجلس لمبادرة بلاده كانت كبيرة مع إجماع على دعم السودان بينما الأمم المتحدة نفسها اكتفت بأن أخذت علماً بمبادرة الحكومة السودانية مؤكدة دعمها لأي جهد يهدف لإنهاء النزاع دون أن تتبناها كإطار حصري. هذا الفارق بين أخذ العلم الأممي والمباركة الرباعية الممنوحة للمقترح الأمريكي يكشف اختلال ميزان القوة الدبلوماسي بين المسارين رغم أن خارطة الطريق للحكومة السودانية تبدو بأنها متكاملة مع المبادرة السعودية-الأمريكية لا منافسة لها.
خلاصة هذه المقارنة أن المقترحين ليسا نسختين من حل واحد بل تعبيران عن فلسفتين متضادتين هما المقترح الأمريكي الذي يرى الحل صفقة تدار من الخارج بحوافز مالية وضغط دبلوماسي مقابل المقترح السوداني الذي يرى الحل في استعادة سيادة لا تمنح بل تنتزع بالإصرار على الملكية الوطنية للقرار حتى لو كان الثمن مزيداً من الوقت وسط معاناة إنسانية متصاعدة يومياً.




