ماك مندلي كريمي… لكنني هذه المرة سأقولها كما يليق بالمكان: ماك مندلي العقدي. ما زال صديقي، وابن العم بكري خليفة يربطنا بخيطٍ لا ينقطع بأهلنا الكرام في كريمة وضواحيها، وخصوصاً حي العقدة. نحن بعيدون، نعم… لكن البعد لا يعرف كيف يعمل معنا؛ فكلما ابتعدنا وجدنا أنفسنا في لبّ الحدث، كأن العقدة تسكن فينا أكثر مما نسكن فيها.
نفتقد تفاصيل صغيرة لكنها تحمل روح المكان كباية شاي كاربة بعد الغداء، وصلاة العصر في مسجد العقدة العتيق، وونسة عصرية مع أهلنا الذين لا يشبههم أحد. هذه التفاصيل ليست عابرة؛ إنها مفتاح المدى الذي يعيدنا إلى جذورنا كلما حاولت الأيام أن تثقل على صدور الناس وتختبر صبرهم.
قبل قليل طالعت خبراً من أخونا بكري عن تكفّل المدير التنفيذي لوحدة كريمة، الأستاذ عمر الشيخ، بتوفير الوقود اللازم لنقل الوجبة الأسبوعية التي يُعدّها مركز تنمية المرأة بحي العقدة لمرضى السرطان وأسرهم في المستشفى الصيني بمدينة مروي (مستشفى الضمان). ولأن الشكر لا يُؤجَّل، أقول له من القلب: شكراً لك على هذه المبادرة الكريمة التي تُشبه أهل كريمة في شهامتهم وطيب معدنهم.
لكنني، وبذات المحبة، أذكّرك بأن هناك قضايا ما زالت مفتوحة، وقرار معالجتها عندكم قبل أن تتجه للمحاكم وغيرها. أهمها تقنين وضع مزارع الدواجن في الحي وأطرافه، فالأهالي ما زالوا يعانون صباحاً ومساءً من آثارها، ولا بد من حلٍّ يعيد لهم حقهم في بيئة سليمة.
وماذا نقول في نساء العقدة؟ وماذا نكتب؟
نقول إنهن ذاكرة المكان، وإن العقدة حين تُذكر تُذكر بهن أولاً؛ بصبرهن قبل ضحكاتهن، ذلك الصبر الذي يشبه جذور النخيل في أرضٍ تعرف معنى الثبات، صبرٌ يخفّف وطأة المرض، ويحمل البيوت على أكتافٍ لا تشتكي.
نكتب أنهن أخواتنا وعمّاتنا وبناتنا، وأنهن حين اجتمعن في مركز تنمية المرأة لم يجتمعن للحديث، بل اجتمعن ليصنعن فعلاً يليق بكرامة الإنسان: وجبة أسبوعية تُساق بمحبة إلى مرضى السرطان في لحظة هم أحوج ما يكونون فيها إلى الرحمة والاهتمام.
نقول إنهن نساء العقدة اللواتي يعرفن أن المرض يُرهق الأسر، فتنهض الواحدة منهن لتسدّ فراغاً، وتُكمل مهمة، وتحمل عبئاً، وتُعيد للحياة شيئاً من توازنها.
نكتب أنهن سند الحي، وأن المبادرة التي يقمن بها ليست عملاً خيرياً فحسب، بل هي امتداد لتاريخ طويل من التكافل، تاريخ صنعته الجدّات والأمهات، وتحمله اليوم بنات العقدة بكل فخر.
نقول إنهن الضوء الذي لا ينطفئ، وإن كل بيت في العقدة يعرف أن المرأة فيه ليست مجرد ساكنة، بل هي عمود البيت، وصوت الحكمة، ومصدر القوة حين تشتدّ الأيام.
وأخيراً… دعوة لاستمرار هذا العمل
وأخيراً، لا بد أن نقول إن هذا العمل الجميل لا يستمر بالعاطفة وحدها، ولا يكبر بالنوايا مهما كانت صادقة؛ فـ المال هو عصب استمرارية أي نشاط، ومن واجبنا جميعاً أن نساهم في هذا الجهد الإنساني الذي تقوم به نساء العقدة بكل صبر وثبات.
إن مركز تنمية المرأة بحي العقدة يستحق أن يتحوّل إلى مؤسسة كاملة الأركان: مقر واضح، وهيكل إداري، وحساب بنكي يستقبل تبرعات الخيّرين، حتى يصبح العطاء مؤسساً وثابتاً، لا يعتمد على الظروف ولا يتأثر بتقلبات الأيام.
مؤسسة جذورها في الأرض وفرعها في السماء، تمتد فيها يد الدعم، وتتوسع أنشطتها لتشمل برامج ومشروعات أخرى، مشروعات من شأنها أن تمكّن هؤلاء النسوة ليواصلن المسير بقوة وثبات، ويصبحن نموذجاً يُحتذى في العمل المجتمعي المنظّم، لا في العقدة وحدها، بل في كريمة كلها، وفي كل مكان يصل إليه أثرهن الطيب.
ونواصل …mashahid3000@gmail.com




