*مفتاح المدى (حكاوي من زمن الحرب) صندوق رعاية المبدعين والإعلاميين… خطاب مفتوح إلى رئيس مجلس الوزراء بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

سيدي رئيس مجلس الوزراء…
ما أكتبه اليوم ليس مقالاً، ولا امتداداً لما أكتب، ولا أمراً ولا طلباً ولا اقتراحاً. إنه رجاءٌ وأملٌ أخير لإنقاذ ما تبقّى من ذاكرة هذه الأمة.
هذا الصباح طالعت رسالتين موجعتين؛ الأولى ( نداء عاجل إلى الزملاء والزميلات في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون) للمساهمة في علاج زميلين من أبناء الحوش الكبير. والثانيـــة كتبهـــا الدكتور الإعلامــــي مزمل سليمان حمد بعنوان ( حين تُرمَّم الجدران ويُترك الإنسان… من ينقذ الكادر البشري للإعلام السوداني؟). ولعل بيني وبينه قاسماً مشتركاً في الاسم حمد… وهو اسم أبي، رحمه الله.
سيدي الرئيس… لست إعلامياً، لكنني ابن رجالٍ ونساءٍ حملوا هذا الوطن في أصواتهم قبل أن يحملوه في أكتافهم. لي إخوة كرام من الإعلاميين : البروف علي شمو، الدكتور مصطفى تكروني الدكتور عوض إبراهيم عوض، الأستاذة فوزية، والصحفيون أسامة عبد الماجد، وعبد الماجد عبد الحميد، وبكري خليفة، وعزمي عبدالرازق وخالد الفكي ود . ريم ابوسنينه ومحمد الجيلاني ووفاء معروف وياسر فضل المولي لهم جميعاً التحية دون فرز.
لكن قبل كل ذلك… أنا ابن حمد. ذلك الرجل الذي ربّانا منذ الصغر على محبة الحوش الكبير؛ حوش الإذاعة والتلفزيون. كبرنا ومعنا شيءٌ يكبر: حبّ هذا المكان وأهله.
كان أبي يحكي لنا عن أبو العزائم، وعن علي شمو، وعن يسرية محمد الحسن، وعن الصبّاغ وعمر الجزلي، وعن سليمان محمد سليمان، وعن خوجلي صالحين… ويحكي عن الأحداث التي شهدها هذا الحوش، وعن لحظاتٍ كانت فيها الإذاعة قلب الوطن النابض.
وكانت جدّتي – رحمها الله – تطمئن على أبي حين تسمع صوته في نشرات الأخبار( التحليل السياسي يقدمه لكم الأستاذ حمد محمد أحمد ) وتطمئن أكثر حين تسمع صوت محي الدين صابر في برنامج السلم التعليمي؛ ذلك البرنامج الذي كان بالنسبة لجيلٍ كامل مدرسةً وطنية تُعلّم النظام والانضباط والرجاء.
كان الفرح ناقصاً يوم تحررت الخرطوم وبحري، حتى اكتمل حين تحررت أم درمان، ومن هناك انطلق الصوت الذي لا يُنسى: (هنا أم درمان).
سيدي الرئيس… أترجاك أن تحافظ على ما تبقّى من ذاكرتي وذاكرتك وذاكرة كل سوداني. أترجاك أن تحافظ على الروح التي ربّتني. أترجاك أن تحافظ على صوت أبي في مخيلتي وصدى قلبي. أترجاك أن ترعى زملاء أبي وطلابه… أن تضمّد جراحهم، وتعالج مرضاهم، وتغطي أجسادهم من برد الحياة وقسوتها.
أكتب وأنا أتذكّر ما عاناه أبي، وما قاساه، وما ترجّاه. أكتب لأن صوت الأمة لا يجب أن يُطفأ، ولأن ذاكرة السودان ليست حجارةً تُرمَّم، بل بشرٌ يجب أن يُصانوا.
سيدي الرئيس… أدعوك لإنشاء صندوق سيادي يحمل اسم:
( صندوق رعاية المبدعين والإعلاميين)
صندوقٌ للذاكرة قبل أن يكون صندوقاً للرعاية؛ يحمي ذاكرتنا من النسيان، ويصون أصوات من صنعوا وجدان السودان.
وأقترح أن تُسند رئاسة دفته إلى البروفيسور علي شمو، وأن يكون تحت إشراف الوزير المختص وبرعايتكم الكريمة، وعضوية نخبة من أهل الحوش الكبير. وأن يكون له مقرٌّ واضح، واختصاصاتٌ محددة، وميزانيةٌ مستقلة، وأهدافٌ عامة وخاصة تحفظ كرامة الإعلاميين وتوثّق إرثهم وتدعم أسرهم.
ففي كل صوتٍ يخرج من هذا الحوش… ذاكرةُ أمةٍ عانت وقاست، وتمنّت أن يكون السودان فخراً لها.
ونواصل ….

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole