*إلى جنات الخلد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.. صانع نهضة قطر*

الموت سنة الله في خلقه، ولم يستثنِ منه حتى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.

انتقل إلى رحمة الله تعالى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مبتدر نهضة قطر الحديثة وصانع حضارتها المعاصرة. تولى قيادة دولة قطر، وهو زاهد في الملك، لكنه أدى واجبه تجاه شعبه ووطنه بكل إخلاص وعزة واجتهاد. وضع رؤيةً استراتيجية شاملة للنهضة، وما إن اكتمل بنيانها واستقرت أركانها، حتى ترجل طواعيةً عن سدة الحكم، مسلِّمًا الراية لنجله الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ليشهد بعينيه استمرار المشروع الوطني وترسيخ مساره على أسس راسخة من القيم الإسلامية والتراث الأصيل.

شهدت قطر في عهده نهضةً غير مسبوقة، تمثلت في الريادة العالمية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت ثاني أكبر دولة مصدرة له، وانعكس ذلك على التنمية الاقتصادية والعمرانية. كما أولى اهتمامًا بالغًا ببناء الإنسان، من خلال تطوير التعليم والبحث العلمي، وإعداد الكوادر الوطنية.

وكان لإطلاق قناة الجزيرة الفضائية أثرٌ بالغ في المشهد الإعلامي العربي والدولي، إذ أسهمت في نقل الحقائق، وإتاحة مساحة للرأي والرأي الآخر، والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية، وأصبحت من أكثر المؤسسات الإعلامية تأثيرًا في الرأي العام الإقليمي والعالمي.

كما اهتم بالرياضة باعتبارها وسيلة لبناء الإنسان وتعزيز صحة المجتمع وتمكين الشباب، وتوج ذلك باستضافة قطر أول بطولة لكأس العالم لكرة القدم في دولة عربية.

وفي المجال الإنساني والتنموي، رعى الأمير الوالد العمل الخيري والإغاثي، عبر المؤسسات القطرية، وفي مقدمتها قطر الخيرية وغيرها من المؤسسات التي امتد عطاؤها إلى مختلف أنحاء العالم.

وأولى اهتمامًا خاصًا بقضايا الأمة العربية والإسلامية، وقدم لها الدعم السياسي والإنساني واللوجستي. وكان من أكثر القادة ثباتًا في دعم القضية الفلسطينية، بمختلف مراحلها وتنوع قياداتها، فلم يبخل بمال ولا رأي، وظلت مواقفه ثابتة رغم الضغوط التي تعرضت لها دولته. كما لعب أدوارًا محورية في معالجة الأزمة الأفغانية عبر مراحلها المختلفة، مع محافظته على ثوابت قطر في الدفاع عن قضايا الأمة، رغم علاقاتها الدولية الواسعة.

أما السودان، فقد حظي بمكانة خاصة في قلب الأمير الوالد. فقد كان له ودٌّ صادق تجاه السودان وأهله، وأسهم بدور كبير في إنجاح مفاوضات سلام دارفور، وقدم دعمًا متواصلًا للدولة السودانية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وكان سندًا للسودان في أوقات الشدة، فإذا ضاقت موارده جاءت مساعداته دون منٍّ أو أذى أو شروط. كما دعم مشروعات حيوية في مجالات التعدين والصناعة وغيرها، وظلت المؤسسات الخيرية القطرية تروي أرض السودان بالعطاء كلما ألمّت بها الأزمات.

وقد تشرفت بلقاء الأمير الوالد مرة واحدة، خلال مؤتمر “توصيل العالم العربي” الذي انعقد بدولة قطر عام 2012م، حين كنت وزيرًا للاتصالات وتقانة المعلومات. قدمني إليه الرئيس عمر حسن أحمد البشير، ففوجئت به يستقبلني بالأحضان، ثم قال للرئيس البشير مبتسمًا: “هؤلاء ربعنا”. وقد استغرب الحاضرون تجاوزه للبروتوكول، وتركت تلك اللفتة أثرًا بالغًا في نفسي. وفهمت لاحقًا ما يجمع أسرة آل ثاني بالدعوة الإصلاحية منذ نشأتها، وقد نُقل عن الأمير الوالد قوله: “لقد كان جدنا المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، رحمه الله، من أوائل من تلقفوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأيدوها، ونشروها في بلادنا وخارجها، وما زلنا إلى اليوم نسير على خطى أولئك الأجداد، مهتدين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولن ندخر جهدًا في مواصلة حمل الرسالة ونشر تعاليم الإسلام السمحة.”

وعندما توليت وزارة السياحة والآثار والحياة البرية، أعدنا الحياة إلى أهم مشروع أطلقه الأمير الوالد، وهو المشروع القطري السوداني للآثار، الذي أعاد الروح إلى البعثات الأثرية التي توقفت بسبب الحصار الاقتصادي المفروض على السودان، إذ شاركت فيه أربعون بعثة أثرية. ويعد المشروع أكبر حملة دولية للتعريف بحضارة السودان، حيث دعم ثمانيًا وعشرين بعثة أثرية من جامعات ومؤسسات عالمية، إضافة إلى بعثة قطرية اكتشفت أكثر من (6904) مواقع أثرية جديدة. كما موّل استكمال أبحاث وأرشفة إلكترونية وطباعة أعمال عالم الآثار الألماني فريدريش هنكل، التي وثقت حضارة السودان عبر أربعة عقود من العمل، وهي مادة علمية ضخمة أعادت الاعتبار لتاريخ السودان الحضاري.

وخلال الحرب الأخيرة، وما صاحبها من نهب وتدمير للمتاحف والآثار، كانت دولة قطر من أوائل الدول التي عبرت عن تضامنها وحرصها على حماية التراث السوداني، فجزاهم الله خير الجزاء. كما رعت قطر أول مهرجان عالمي للسياحة والسفر في السودان “رتاج للفنادق والضيافة 2013″، وكانت نعم السند ونعم الأخوة.

وللأمير الوالد عاطفة جياشة تجاه السودان وأهله، وقد تجلت عندما حضر، متكئًا على عصاه، وبرفقة سمو الشيخة موزا بنت ناصر، لتقديم واجب العزاء في وفاة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، رحمه الله، فبادلهم السودانيون حبًا بحب، وتقديرًا بتقدير.

ستظل دولة قطر، بقيادة الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ماضية على النهج الذي أرساه الأمير الوالد، داعمة لقضايا أمتها العربية والإسلامية، وحاملةً لشعلة النهضة التي أوقدها.

اللهم ارحم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، واغفر له، وأسكنه فسيح جناتك، واجزه خير الجزاء على ما قدمه لأمته، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

كتبه:
د. محمد عبد الكريم الهد
وزير الاتصالات وتقانة المعلومات الأسبق بالسودان
ووزير السياحة والآثار والحياة البرية الأسبق بالسودان
ممثل جماعة أنصار السنة المحمدية في حكومة الوحدة الوطنية السابقة

12 يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole