*مفتاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب) عودة الجامعات إلى مقارها: قرار شجاع أم مغامرة في زمن الحرب بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

في خضمّ الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ اندلاع الحرب، تتخذ الدولة قرارات مصيرية تهدف إلى إعادة بناء ما تهدّم، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي. وفي هذا السياق، أصدر وزير التعليم العالي قرارًا يقضي بعودة مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي إلى مقارها الأصلية، وقفل جميع المراكز الخارجية داخل السودان وخارجه، وذلك قبل أو في الأول من أغسطس 2026.
هذا القرار لم يمرّ مرور الكرام؛ فقد أثار نقاشًا واسعًا بين الطلاب، وأعضاء هيئة التدريس، والمهتمين بالشأن الأكاديمي. وبين من يراه خطوة ضرورية لإعادة ضبط إيقاع التعليم، ومن يعتبره قرارًا صعب التطبيق في واقع مضطرب، تبرز الحاجة إلى قراءة محايدة ومتوازنة.
أولًا: إيجابيات القرار
يمثّل القرار محاولة جادة لإعادة الجامعات إلى وضعها الطبيعي بعد سنوات من الاضطراب. فعودة المؤسسات إلى مقارها الأصلية تمنح العملية التعليمية إطارًا تنظيميًا واضحًا يساعد في التخطيط للقبول، الامتحانات، والتخرج.
كما أن إيقاف المراكز الخارجية يحدّ من التفاوت الأكاديمي الذي نشأ بسبب اختلاف بيئات التدريس، ويعيد للجامعة هيبتها كمؤسسة مركزية لها مقر واحد، إدارة واحدة، ونظام أكاديمي موحّد.
الإعلان الرسمي عن عودة الدراسة من داخل الحرم الجامعي يبعث برسالة طمأنة للطلاب وأسرهم بأن المؤسسات التعليمية ما زالت تعمل رغم الظروف، وأن الدولة تسعى للحفاظ على استمرارية التعليم كأحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي.
وفي بعض الولايات الأكثر استقرارًا، قد يسهم القرار في استئناف الدراسة بصورة شبه طبيعية، مما يقلّل من تراكم الدفعات ويحدّ من الهجرة الأكاديمية إلى الخارج.
ثانيًا: سلبيات القرار وتحدياته
رغم النوايا الإيجابية، يواجه القرار تحديات كبيرة على أرض الواقع. فعدد من الجامعات تضررت بنيتها التحتية أو نزحت إداراتها، مما يجعل العودة إلى المقرات الأصلية أمرًا بالغ الصعوبة.
كما أن التفاوت الأمني والخدمي بين الولايات يعني أن بعض الجامعات قد لا تكون قادرة على تنفيذ الدراسة أو الامتحانات في الوقت المحدد.
الطلاب أنفسهم يواجهون ضغوطًا نفسية ولوجستية، خصوصًا أولئك الذين نزحوا أو يقيمون خارج مناطقهم. ومع محدودية التعليم الإلكتروني وضعف البنية التقنية، قد تتسع الفجوة بين الطلاب القادرين على العودة والآخرين الذين تعيقهم الظروف.
ولا يمكن تجاهل أن أعضاء هيئة التدريس متأثرون بالظروف الاقتصادية والأمنية، مما قد يحدّ من قدرتهم على الالتزام الكامل بالجدول المعلن.
خلاصة محايدة
القرار يجمع بين رغبة حقيقية في حماية استمرارية التعليم وبين تحديات واقعية قد تعيق تنفيذه. نجاحه يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الجامعات على التكيّف مع ظروفها المحلية، وعلى مرونة الوزارة في التعامل مع الاختلافات بين الولايات والخارج .
لكن الأهم — وهو جوهر القرار — أن عودة الجامعات إلى مقارها وقفل المراكز الخارجية يمثلان خطوة نحو إعادة ضبط جودة التعليم، وإعادة الاعتبار للمؤسسة الجامعية كمكان للتدريس والبحث، لا كشبكة من المراكز المتناثرة.
وفي النهاية، يبقى الهدف المشترك للجميع هو الحفاظ على التعليم كركيزة أساسية لاستقرار المجتمع ومستقبله، مهما كانت التحديات…
ونواصل ….

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole