*‏السعودية… حين يتحدث التاريخ بلغة البقاء.. ‏د فرج وافي الخنفري القحطاني*

‏في الشرق الأوسط، لا تُقاس مكانة الدول بحدة الخطاب، ولا بعدد الخصومات التي تخوضها، وإنما بقدرتها على البقاء، وصناعة التأثير، وتحويل التحديات إلى عناصر قوة.

‏وعند قراءة تاريخ المنطقة خلال القرن الماضي، تتكرر حقيقة تستحق التأمل؛ فكثير من القوى والأنظمة التي راهنت على إضعاف المملكة العربية السعودية تراجعت أو تبدلت، بينما واصلت المملكة ترسيخ حضورها السياسي والديني والاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي.

‏ولم يكن ذلك وليد ظرف عابر أو نتيجة تحالف مؤقت، بل ثمرة بناء متراكم لدولة اعتمدت على ترسيخ مؤسساتها، وحماية مصالحها، وإدارة أزماتها بمنطق الدولة لا بمنطق الانفعال. فالسعودية لم تجعل من ردود الأفعال سياسة، ولم تبنِ حضورها على الشعارات، بل على رؤية بعيدة المدى، وقراءة دقيقة لموازين القوى، وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت الذي تقتضيه المصلحة الوطنية.

‏وتتميز المملكة بأن عناصر قوتها لا تقتصر على الإمكانات الاقتصادية أو الموقع الجغرافي أو ثقلها السياسي، بل تمتد إلى عمق حضاري وديني لا تملكه أي دولة أخرى. فهي مهبط الوحي، وحاضنة الحرمين الشريفين، ومنطلق الرسالة الإسلامية، وموطن مرجعية علمية وفقهية أسهمت عبر القرون في ترسيخ علوم العقيدة والتوحيد والفقه الإسلامي، وشكلت أحد أهم روافد الهوية الإسلامية في العالم. وهذه المكانة ليست نتاج قرار سياسي، وإنما امتداد لتاريخ راسخ منح المملكة بعدًا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

‏ومن هنا، فإن قراءة الدور السعودي بمعايير القوة التقليدية وحدها تبقى قراءة ناقصة؛ لأن المملكة تجمع بين الشرعية الدينية، والثقل السياسي، والقدرة الاقتصادية، والتأثير الدبلوماسي، وهي عناصر عندما تجتمع في دولة واحدة تمنحها قدرة استثنائية على الثبات والتأثير في محيطها.

‏لقد أثبتت العقود الماضية أن المملكة لا تبحث عن الصدام، لكنها لا تتردد في حماية أمنها وسيادتها ومصالحها عندما تفرض الظروف ذلك. ولذلك، اتسمت سياستها بالحكمة، وضبط النفس، وبعد النظر، مع امتلاك أدوات القوة القادرة على حماية الدولة وصون مصالحها، وهو ما جعلها ركيزة للاستقرار، ومحورًا رئيسيًا في القضايا العربية والإسلامية والدولية.

‏واليوم، لم تعد المملكة العربية السعودية لاعبًا إقليميًا فحسب، بل أصبحت محورًا تتقاطع عنده المصالح الدولية، وشريكًا رئيسيًا في رسم التوازنات الإقليمية، وصوتًا مؤثرًا في القضايا التي تمس الأمن والاستقرار والتنمية. وقد اتسعت دائرة الشراكات معها، وأصبحت وجهةً للدول التي تبحث عن الاستقرار والتعاون وبناء المستقبل، إدراكًا لمكانتها وثقلها ودورها المتنامي.

‏وفي المقابل، فإن القوى التي اختارت أن تضع نفسها خارج هذا المسار تجد أن هامش تأثيرها يتقلص مع مرور الوقت، وأن الابتعاد عن التحالفات المؤثرة لا يقود إلا إلى العزلة السياسية وتراجع النفوذ. فالتاريخ لا يصنعه من يقف على هامشه، وإنما من يشارك في رسم مساره.

‏إن المملكة العربية السعودية لم تستمد مكانتها من القوة المادية وحدها، بل من اجتماع الشرعية الدينية، والهوية الحضارية، والقيادة السياسية، والرؤية الاقتصادية، وهو اجتماع نادر منحها ثباتًا يصعب تجاوزه، وجعلها نقطة ارتكاز في العالمين العربي والإسلامي، وشريكًا موثوقًا للمجتمع الدولي.

‏إن التاريخ لا يحتفظ بضجيج الشعارات، بل يحفظ الدول التي نجحت في بناء الإنسان، وترسيخ المؤسسات، وحماية السيادة، وصناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها كدولة تصنع التوازن، وتقود المبادرات، وتبني الشراكات، وتؤمن بأن التنمية والاستقرار هما الطريق الحقيقي إلى النفوذ المستدام.

‏واليوم، تصغي عواصم العالم إلى الموقف السعودي باعتباره أحد الأصوات الأكثر تأثيرًا في القضايا الدولية والإقليمية، ليس لأن المملكة تبحث عن هذا الدور، بل لأنها اكتسبته بما تملكه من ثقل ديني، وحضور سياسي، ومصداقية دبلوماسية، وقوة اقتصادية. ومن يختار أن يكون جزءًا من هذا المسار، يكون شريكًا في صناعة المستقبل، أما من يصر على معاداته أو عزل نفسه عنه، فإنه يخاطر بأن يجد نفسه خارج معادلات التأثير، تاركًا مصيره للتراجع والعزلة.

‏فالدول العظيمة لا تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة فحسب، بل بما تتركه من أثر في التاريخ. والمملكة العربية السعودية، بما تمثله من عمق ديني وحضاري وسياسي، لم تعد مجرد دولة في المنطقة، بل أصبحت إحدى الركائز التي يُبنى عليها استقرارها ومستقبلها.

‏مقال
‏د فرج وافي الخنفري القحطاني

مقالات ذات صلة