في زمن ضجت فيه الصحافة السودانية بالبيانات والعناوين الصاخبة، ظل الأستاذ عبد الباقي جبارة البكري ثابتاً على مبادئه: قلم حر، وعقل متكرر الإلهام، وصانع محتوى صحفي متطور وضع بصمته في السودان وأفريقيا والعالم العربي.
عبد الباقي جبارة ليس مجرد صحفي. هو واحد من أساطين الصحافة السودانية الذين آمنوا بأن الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة. آمن بأن الميكروفون والقلم يجب أن ينحازا للإنسان البسيط، لصوت الريف، لقضايا الهامش الذي ظل مغيباً لعقود.
منبر “ترياق”.. مدرسة للمهنية والتجديد
كان لظهوره عبر منصة “صحيفة ترياق” الأثر الأكبر. لم يجعل منها مجرد موقع إخباري، بل حولها إلى مدرسة مفتوحة درّب فيها كثيراً من الصحفيين والإعلاميين الهواة.
فتح الباب أمام الشباب، وعلّمهم كيف يكتبون عن الإنسان لا عن السلطة، وكيف يبحثون عن الخبر في الخلاء وفي السوق وفي معسكرات النزوح لا في القاعات المكيفة فقط.
بجهده الفردي أسهم في صناعة جيل جديد يؤمن بصحافة القضايا لا صحافة المجاملات.
*صوت للإنسان السوداني المهاجر والمقيم*
ظل الأستاذ عبد الباقي من أوائل من كتبوا عن معاناة السوداني المهاجر والمقيم داخل وطنه. حمل هموم النازح في المعسكر، والعامل في سوق ليبيا، والمرأة في أطراف المدن.
لم يفصل بين حقوق الإنسان في الخرطوم وحقوقه في نيالا أو الجنينة أو كادقلي. كان يرى أن الوطن واحد وأن الظلم في الهامش هو ظلم للمركز.
*صامد في زمن الحرب*
منذ الخامس عشر من أبريل 2023م، ومع اشتعال الحرب، كان حاضراً وفاعلاً. لم ينكسر ولم ينحصر في زاوية.
اختار طريقاً ثالثاً صعباً: طريق الحياد المهني والدعوة للسلام.
ظل يغطي أحداث الحرب السودانية بمهنية نادرة في هذا التوقيت. لا ينجرف لخطاب الكراهية، ولا يتحول إلى بوق لأي طرف. قلمه كان دائماً مع وقف إطلاق النار، ومع إغاثة الملهوف، ومع صوت العقل الذي يرفض تدمير الوطن.
كان غيوراً على هذا الوطن أكثر من كثير من الصحفيين المجتهدين. يرى في كل قتيل خسارة للسودان، وفي كل مدرسة محترقة خسارة للأجيال القادمة.
*يستحق التكريم*
عبد الباقي جبارة البكري يستحق لقب “الصحفي المتميز” ليس لأنه بحث عنه، بل لأن تجربته تستحقه.
تجربة رجل جمع بين أصالة الصحافة الورقية وحداثة الإعلام الرقمي. رجل صنع محتوى، وبنى مؤسسة، وربّى أجيالاً، ولم يتخلَ عن قضايا الناس في أحلك الظروف.
في الختام نقولها بوضوح: الصحافة السودانية مدينة لهذا الرجل.
مدينة له لأنه ذكّرنا أن القلم الحر لا يباع ولا يشترى، وأن قضايا الريف والهامش هي قلب السودان النابض، وأن دور الصحفي في الحرب هو أن يكون جسراً للسلام لا معولاً للهدم.
تحية إجلال للأستاذ عبد الباقي جبارة.. ونحن في أمس الحاجة لأمثاله اليوم.




