:: أحدهم – ونحسبه من الكبار – ينتقد قطوعات الكهرباء بمحليته، ثم يطالب بإقالة والي الخرطوم. وهنا يبدو صاحبنا هذا كمن ينتقد الهلال على الخروج من “سيكافا” بخفي حنين، ثم يطالب بإقالة وزير الداخلية. أخبروه بأن علاقة والي الخرطوم بالكهرباء لا تتجاوز استخدامها “لو لقاها”..!!
:: ومن الغرائب ذات الصلة بوالي الخرطوم أيضاً، تمديد قيادة الدولة خدمته لمدة عام بعد بلوغه سن التقاعد. وقبل هذا الخبر كنت أظن بأن منصب الوالي من المناصب السيادية والسياسية التي لا علاقة لها بأعمار الناس وسن تقاعدهم، وأن سن التقاعد يخص العاملين بالخدمة المدنية..!!
:: بالتأكيد استبقوه في موقع المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم – وظيفته الأساسية – عاماً آخر بعد المعاش؟ ولكن ما الداعي لهذا الاستبقاء؟ ألا يكفي أن يكون والياً، ثم يتقاعد عن موقع المدير التنفيذي فاسحاً المجال لعامل مستحق؟ هل بالضرورة أن يشغل المنصبين “والي ومدير تنفيذي”..!؟
:: استبقاء من بلغوا سن المعاش في مواقعهم – عاماً أو أعواماً – من أسباب تردي وتخلف الخدمة المدنية، ومن أسباب ارتفاع نسبة البطالة في الشباب. علماً بأن الاستبقاء “بدعة سيئة”، ابتدعتها حكومة البشير، ثم سارت عليها حكومة حمدوك بلا وعي، ثم الحكومة الحالية بلا هدى..!!
:: وفي الخاطر، أبريل 2013، عندما تم تغليف سياسة التمكين بالاستبقاء، كتبت رافضاً هذا الاستبقاء، وتساءلت عن مصير الشاب في بلاد دورة حياتها محنطة بالمحسوبية المسماة بالاستبقاء..وقلت فيما قلت: لا قيمة لتعليم الشباب وتدريبهم في ظل هذا الوضع المكبل بعقول الأنانية والتمكين..!!
:: واستبشرنا خيراً بالتغيير، ولكن تفاجأنا ذات يوم من أيام حمدوك بخطاب يحمل توقيع وزير شؤون الرئاسة بمجلس الوزراء خالد عمر يوسف، وكان توجيهاً لوزارة الحُكم الاتحادي باستبقاء أحمد السماني في الخدمة، وكان قد بلغ سن المعاش، وذلك حسب توصية وزيرة الخارجية مريم الصادق..!!
:: وأحمد السماني الموصى باستبقائه – من قبل ثلاثة وزراء – لم يكن من علماء الفضاء، ولا من خبراء تكنولوجيا الحاسوب والذكاء الإصطناعي، بل موظف بمحلية كلما أصبحت حط على شفتيها الذباب، وكلما أمست احتفى بلوثها البعوض، وهي محلية الخرطوم..!!
:: نعم، قد تكون هناك مصلحة عامة في استبقاء كفاءات نادرة لحين تأهيل البدائل، كالأطباء وأساتذة الجامعات وعلماء البحوث، فالناس بحاجة إلى عطاء هذه “الفئة القليلة”.. ولكن ليس من العدل استغلال لائحة الاستبقاء في كل مواقع الخدمة المدنية، بما فيها مواقع يمكن أن يشغلها “خريج”..!!
:: ثم إن استبقاء كفاءة نادرة حالة استثنائية، فالأصل في دورة الحياة العامة هو ضخ دماء جديدة وعقول مواكبة.. يستطيع شاب صغير، بنظام رقمي، بناء قاعدة بيانات للمحلات التجارية بالخرطوم، ثم تحصيل رسومها بدقة وسرعة.. ومثل هذا الشاب هو من تحتاج إليه الخدمة العامة، لتواكب المرحلة..!!
:: بلادنا دولة شابة، وكان خطأً رفع سن المعاش إلى “65” عاماً، ومن الخطيئة استبقاء المتجاوزين لهذا السن.. تجاوزت نسبة شبابنا “60%”، و لسنا كالدول المتحضرة التي تكتفي حكومتها بالتشريع والرقابة، ثم تفسح مواقع الإنتاج والخدمات لشركات القطاع الخاص، لتستوعب الشباب بالآلاف سنوياً..!!
:: فالسياسة الاقتصادية “متخلفة”، فيها يتم تعذيب القطاع الخاص بالرسوم والجبايات وغيرها من السياط، فتتقزم مساحات القطاع الخاص، وتتمدد الحكومة – بشركاتها وخدمتها المدنية – على مفاصل الإنتاج والخدمات، ونحصد تردي الخدمات وفقر الاقتصاد وتقزيم فرص توظيف الشباب..!!
:: راجعوا قانون المعاش، وأوقفوا العبث المسمى بالاستبقاء، وأخرجوا الحكومة من الأسواق، واخلقوا مناخ الاستثمار للقطاع الخاص، لتستغل البلاد طاقات شبابها في الخدمات والإنتاج.. فالطاقة الشابة هي الثروة الأغلى التي تتمناها دول العالم، وتفتقدها الكثير من الدول..!!
:: وطاقات الشباب هي صمام الأمان لحاضر ومستقبل الشعوب.. ومن الغباء أن نهدر هذه الطاقات في الهجرة و الحروب و المخدرات..إن لم تحمل السواعد الشابة معاول الإنتاج، فهي حتماً تحمل السلاح وكل موبقات الأرض. وإن لم تنشغل العقول الشابة بالبناء، فهي حتماً تنشغل بالهدم ..!!




