في 12 مايو 1970، كتب عبدالخالق محجوب من القاهرة رسالة إلى التجاني الطيب، أحد أبرز قيادات الحزب الشيوعي السوداني، تناول فيها بقلق متزايد مسار العلاقة بين الحزب ونظام مايو، وما كان يراه من اتجاه داخل الحزب نحو التقارب مع السلطة العسكرية على حساب استقلال الحزب السياسي والتنظيمي.
ورد في الرسالة وصف بالغ الدلالة لأحمد سليمان، عضو اللجنة المركزية ووزير العدل آنذاك، حين قال عبدالخالق:
«أتابع في الصحف تصريحات المصفّي القانوني للحزب الشيوعي، أو يهوذا الشيوعيين، السيد الوزير أحمد سليمان!.. إلى متى يحتمل الشيوعيون هذا الدمل في جسدهم؟»
هذه العبارة، بما تحمله من قسوة، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد خلاف شخصي بين عبدالخالق محجوب وأحمد سليمان. فـ«الدمل» هنا استعارة سياسية؛ إذ كان عبدالخالق يرى في الاتجاه الذي مثّله سليمان خطراً على استقلال الحزب، بسبب اندماجه المتزايد في مؤسسات الدولة الجديدة ومشروعها السياسي.
وكان الخلاف أعمق من مسألة المشاركة في السلطة. فمنذ ما قبل انقلاب 25 مايو 1969، ظهر داخل الحزب نقاش حول طبيعة العلاقة بين الحركة الجماهيرية والقوات المسلحة، وحول إمكانية أن تؤدي المؤسسة العسكرية دوراً تقدمياً في تغيير النظام السياسي. وقد كان أحمد سليمان من أبرز الأصوات التي تعاملت بإيجابية مع هذا الاتجاه، بينما ظل عبدالخالق أكثر تشدداً في التأكيد على استقلال الحزب وعلى الدور المركزي للجماهير في التغيير.
بعد انقلاب 25 مايو، تعامل الحزب الشيوعي مع الواقع الجديد بصورة مركبة. فقد أيد بعض الإجراءات والسياسات التي رآها تقدمية، لكنه لم يتخلَّ عن استقلاله التنظيمي والسياسي. ومن هنا نشأ التناقض الذي سيصبح أكثر حدة مع مرور الوقت: هل يمكن للحزب أن يشارك في نظام عسكري ويؤثر فيه، من دون أن يتحول إلى جزء من جهاز الدولة؟
كانت هذه المسألة جوهرية بالنسبة لعبدالخالق. فالدولة شيء، والحزب شيء آخر، حتى عندما يلتقيان مؤقتاً في بعض السياسات. وإذا فقد الحزب استقلاله، فإنه يفقد قدرته على النقد والمساءلة والتنظيم الجماهيري، ويتحول من قوة سياسية مستقلة إلى جزء من السلطة.
وقد ازدادت الأزمة بعد دخول أحمد سليمان إلى الحكومة وزيراً للعدل في أواخر عام 1969. فوجود عضو في اللجنة المركزية للحزب داخل الجهاز التنفيذي للدولة العسكرية لم يكن مجرد مشاركة فردية في الوزارة، بل أصبح رمزاً للخلاف حول طبيعة العلاقة بين الحزب ونظام مايو.
وفي هذا السياق يمكن فهم تعبير عبدالخالق «المصفّي القانوني للحزب الشيوعي». فهو تعبير سياسي حاد أراد به القول إن الدور الذي يؤديه أحمد سليمان داخل الدولة قد يتحول، في نظره، إلى وسيلة لإضعاف استقلال الحزب وتذويب وجوده السياسي، لا إلى وسيلة لتقوية تأثيره.
أما وصفه له بـ«يهوذا الشيوعيين»، فهو أكثر حدة، لأنه يستدعي صورة الخيانة من الداخل. وهذا يكشف مقدار التوتر الذي بلغته العلاقة داخل القيادة الشيوعية في تلك المرحلة.
ولم يكن هذا الصراع منفصلاً عن التحولات التي شهدها نظام مايو نفسه. ففي نهاية عام 1969 بدأ النظام يتجه نحو بناء تنظيم سياسي جديد هو الاتحاد الاشتراكي السوداني، بما يعنيه ذلك من محاولة إقامة تنظيم سياسي مركزي مرتبط بالدولة. كما تعرضت بعض التنظيمات الجماهيرية التي كان للحزب الشيوعي نفوذ واسع داخلها للحل أو إعادة التنظيم.
كان عبدالخالق يرى في هذه التطورات مؤشرات على اتجاه نحو احتواء الحركة السياسية والجماهيرية داخل مؤسسات الدولة. ولذلك أصبح السؤال بالنسبة إليه ليس فقط: من يحكم؟ وإنما: هل يستطيع الحزب أن يحتفظ بوجوده المستقل داخل دولة تسعى إلى احتكار المجال السياسي؟
من هنا تبدو رسالة 12 مايو 1970 وثيقة مهمة لفهم الأزمة الداخلية التي سبقت انقسام الحزب الشيوعي في العام نفسه.
ففي أغسطس 1970 انعقد المؤتمر التداولي للحزب، وانتصرت فيه أطروحة عبدالخالق السياسية، ثم ظهرت في سبتمبر مجموعة من قيادات اللجنة المركزية في موقف معارض للقيادة، كان أحمد سليمان أحد أبرز أعضائها. وفي أكتوبر اتخذت قيادة الحزب قرارات بفصل عدد من الموقعين على البيان وإعادة تنظيم بعض الهياكل الحزبية.
وهكذا انتقل الخلاف من اختلاف في التقدير السياسي إلى انقسام تنظيمي واضح.
لكن أهمية الرسالة لا تقف عند حدود ذلك الصراع الداخلي. فبعد أقل من عام، وفي يوليو 1971، وقعت محاولة 19 يوليو التي شارك فيها ضباط مرتبطون بالحزب الشيوعي. وبعد فشلها اعتُقل عبدالخالق محجوب وأُعدم، إلى جانب الشفيع أحمد الشيخ وجوزيف قرنق وآخرين.
ومن المفارقات التاريخية أن الحزب الذي خاض صراعاً داخلياً حاداً حول العلاقة بين التنظيم العسكري والعمل السياسي وجد نفسه بعد عام واحد في قلب مواجهة عسكرية انتهت بكارثة سياسية وتنظيمية كبرى.
أما أحمد سليمان، فقد واصل مساره داخل دولة مايو، ثم اتخذ بعد سقوط نظام نميري عام 1985 مساراً سياسياً مختلفاً جذرياً، فالتحق بالجبهة الإسلامية القومية وأصبح من قياداتها. وهذه النهاية اللاحقة تمنح عبارة عبدالخالق القديمة دلالة تاريخية لافتة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كل أحكام عبدالخالق عليه كانت صحيحة؛ فالتاريخ لا ينبغي أن يُقرأ بأثر رجعي لإدانة الأشخاص بناءً على ما حدث لهم لاحقاً.
الأهم في المسألة هو أن رسالة عبدالخالق تكشف مبكراً عن صراع أكبر من الأشخاص: صراع حول استقلال الحزب، وحدود المشاركة في السلطة، والعلاقة بين الدولة والتنظيم السياسي، ودور الجيش في التغيير، وموقع الجماهير من عملية التحول السياسي.
ولهذا فإن عبارة «الدمل في جسد الشيوعيين» يمكن قراءتها بوصفها واحدة من أكثر الاستعارات السياسية كثافة في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني. فالدمل ليس شخصاً بالضرورة، وإنما هو، في منطق الرسالة، تناقض داخلي يرى صاحبه أنه إذا تُرك من دون معالجة فسوف يتحول من مشكلة محدودة إلى مرض يصيب الجسد السياسي كله.
وقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن أزمة الحزب لم تكن مجرد خلاف بين تيارين حول شخص أو منصب، وإنما كانت أزمة تصور للتغيير نفسه: هل يتم التغيير من خلال التنظيم الجماهيري المستقل، أم من خلال الدولة العسكرية؟ وهل يمكن للحزب أن يستخدم السلطة من دون أن تستخدمه السلطة؟ وأين تنتهي المشاركة السياسية ويبدأ الذوبان داخل الدولة؟
من هذه الزاوية، تصبح رسالة عبدالخالق إلى التجاني الطيب وثيقة تتجاوز عبارتها الشهيرة. إنها شهادة مبكرة على لحظة كان فيها الحزب الشيوعي السوداني يواجه واحدة من أصعب معضلاته التاريخية: كيف يحافظ على استقلاله وهو يعيش داخل نظام سياسي يرى أن الدولة تستطيع أن تكون أداة التغيير الأساسية.
والدمل، في النهاية، لم يكن مجرد خلاف حول أحمد سليمان؛ كان تعبيراً عن خوف عبدالخالق من أن يتحول الحزب من قوة سياسية مستقلة إلى جزء من الدولة التي يفترض أن يؤثر فيها ويعارضها عند الضرورة.
عبدالمنعم الريح عبيد
مجمع من وثائق على النت
وترتيب وفق المعلومات المتاحة
المصادر
1. محمد سعيد القدال، الحزب الشيوعي السوداني وانقلاب 25 مايو، 1986. وهو المصدر الذي أشار فيه القدال إلى رسالة عبدالخالق إلى التجاني الطيب، وأورد نص العبارة المتعلقة بأحمد سليمان.
2. محمد سعيد القدال، تداعيات تاريخية: الحزب الشيوعي وانقلاب 25 مايو، سلسلة مقالات منشورة في صحيفة السوداني عام 2007، وتتضمن عرضاً للوثائق والصراع الداخلي للحزب خلال الفترة 1969–1971.
3. فؤاد مطر، الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟، 1971. ويضم وثائق عن الصراع الداخلي في الحزب بعد انقلاب مايو، ومنها وثائق عبدالخالق محجوب ومعاوية إبراهيم وقرارات المؤتمر التداولي في أغسطس 1970.
4. محمد سعيد القدال، معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، 1999، وهو من المراجع الأساسية التي اعتمد عليها القدال في دراسة علاقة الحزب بانقلاب مايو.
5. تاج السر عثمان، مصادر تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ويتضمن عرضاً للمراجع والوثائق المتعلقة بالصراع الداخلي للحزب وتجربتي مايو 1969 ويوليو 1971.
6. مصدر صحفي عن أحمد سليمان، مجلة المجتمع، 24 نوفمبر 1987، يوثق انتقاله من عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني حتى عام 1970 إلى عضوية المكتب السياسي للجبهة الإسلامية القومية لاحقاً.
7. عبدالله علي إبراهيم، 19 يوليو 1971: من يومية التحري إلى رحاب التاريخ، ويتناول المسار السياسي اللاحق لأحمد سليمان، بما في ذلك انضمامه إلى الجبهة الإسلامية القومية بعد سقوط نظام مايو.




