*الاعلام والجواد المكسور وحكاية المائة واربعين اعلاميا. كتب%معتصم طه*

 

هناك المثل العربي يقول ومالسيف حين يموت الجواد قصة هذا المثل تذكرني بابيات شعر للشاعر الحاردلو يقول مافي عَسَلْ زَيّ عَسَلْنَا# وَفِي مَدْرَسْتُو# امْتَحَنَّا#دَخَلْنَا مِثِلْ مَا مَرَقْنَا# وَلَا لِقِينَا الْبِطَمِّنَّا#طَرِيقَكْ يَا عَدِيلْ الرُّوحْ كِتِيرْ فِيهُو اتْفَتَنَّا#نَشِيلْ فَوْقَ الْجِمَالْ الشِّيلْ وَمَا نَالْنَا الْمِتَمْنَّا# أثناء دراستنا بكلية الإعلام بأم درمان الإسلامية كان لدكتور فيصل وكيل وزارة الاعلام الاسبق والدكتور هاشم الجاز نصائح غالية في الدقائق العشرة الأخيرة من زمن انتهاء المحاضرة وكنا نعي ذلك حتي ان دفعتنا الأربعين طالبا وهم في تخصصين صحافة وعلاقات عامة واذاعة وتلفاز يشغلون اليوم كلهم مدراء أعلام في عدد من الوزارات والبنوك ورؤساء أقسام بعدد من فضائيات التلفزة الولائية . وثلاثة منهم انشاو مطابع خاصة بهم قبل أيام كان هناك مؤتمر للاعلامين بالداخل والخارج حتي ان البرهان رئيس مجلس السيادة خاطبه وخصه باحاديث لم يقلها من قبل كقصة خروجه من القيادة بطائرة حربية وحكي أيضا قصة تكوين الدعم السريع وعدده وتسليحه في عهد البشير ولكن هولاء الذين
جاءوا من كل حدب وصوب. مائة واربعين إعلامياً من داخل السودان وخارجه. اجتمعوا في قلب الخرطوم لحضور “مؤتمر الإعلاميين بالسودان”. حملوا معهم الأقلام والكاميرات والميكروفونات، وجاءوا يبحثون عن الحقيقة وعن القصة التي يروونها لقرائهم ومشاهديهم.
كانت الفرصة سانحة، والتكلفة بسيطة، والأثر مضمون. كل ما يحتاجه الأمر: قرار. خمسة بصات فقط، تجوب محليات الولاية السبع. يومان. وجدول واضح.
لماذا لم يحدث؟ لماذا خرج هؤلاء كما دخلوا، دون أن يروا بأعينهم حجم الدمار وحجم الصمود في كرري وأم درمان وأمبدة وشرق النيل وبحري وجبل أولياء والخرطوم؟
زمان، أيام وزير في عهده، كان الإعلام شغل شاغل. كان الوزير يعرف أن المعركة تبدأ من العنوان الأول في الصحيفة. كان يستقبل الوفود الإعلامية بنفسه، ويضعهم في بص، ويقول لهم: “تعالوا شوفوا”. كان يعلم أن صورة واحدة من مستشفى عاد للعمل، أو مدرسة فتحت أبوابها، تساوي ألف بيان.
اليوم الوضع مختلف. تركنا الإعلاميين فريسة للشارع وللإشاعة وللرواية التي يكتبها الآخرون عنا.
تخيل لو تمت الجولة. البص الأول ينزل في سوق أم درمان ويوثق حركة الباعة رغم الخراب. الثاني في مراكز الإيواء بشرق النيل يسمع من أم فقدت بيتها لكنها متمسكة بالعودة. الثالث في محطات المياه ببحري. الرابع في مستشفيات جبل أولياء. الخامس في المدارس بكرري حيث يدرس أبناء النازحين على الأرض.
حينها كان سيكتب عنا إبراهيم أرقي بسخريته اللاذعة التي تفضح الفساد وتمجد الصمود. وكان سيحلل عادل إبراهيم حمد المشهد السياسي بعين الخبير. في العرب القطرية وكان سينقل جمال علي حسن وعماد حسن وخالد الملك لصحف البحرين والمنامة والمحرق معاناة الناس وأملهم. حتى تلميذي النجيب في تنقسي المتوسطة، الدكتور حسن المجمر، كان سيجد في هذه الجولة مادة لعشر مقالات عن التعليم في زمن الحرب.بعد زيارته للمدارس ذات الطابقين التي انشاها الفريق اول ركن احمدابشنب في بري والسجانة والعمارات عندما كان معتمدا للخرطوم

وكانت صحف “الدستور” و”الجمهورية” و”العرب” و”الثورة” و”الإكرام” و”النهار” و”الزمان” ستمتلئ صفحاتها لأسبوع كامل بصور الخرطوم التي تقاوم.

المسؤولية هنا لا تقع على الوالي وحده. كان من المفترض أن ينظف هذه الفرصة زميلنا الطيب سعد الدين، مدير عام الثقافة والإعلام بالولاية. الرجل إعلامي ضليع ويعرف قيمة اللحظة. يعرف أن استضافة 140 إعلامياً في مؤتمر هي “كتلة حرجة” لا تتكرر. كان يمكنه أن يقول للوالي: يا سعادتك، ادينا يومين وبصات، وخلي الباقي علينا.

لكن يبدو أننا ما زلنا نتعامل مع الإعلام كرفاهية، لا كسلاح. نخاف من السؤال، ونهرب من الكاميرا، وننتظر “الوقت المناسب” الذي لا يأتي.

النتيجة؟ الإعلاميون خرجوا. وخرجت معهم رواية ناقصة عن الخرطوم. رواية من الفندق إلى قاعة المؤتمر ثم إلى المطار.

أيها السادة في حكومة الولاية، الدرس واضح. أي وفد إعلامي قادم، وأي مؤتمر مقبل، اجعلوا البند الأول فيه هو “جولة ميدانية”. افتحوا المحليات السبع. لا تخافوا من الأسئلة الصعبة، فالإجابة الصادقة أقوى من الصمت.

الخرطوم تحتاج من يحكي عنها. و140 صوتاً كانوا جاهزين للحكي. فلماذا تركناهم يرحلون بلا قصة؟

مقالات ذات صلة