*من حروفي مجزرة الفاشر.. عام على المأساة وذاكرة لا تموت كتب/ خالد الفكي*

 

عامٌ مضى على مجزرة الفاشر التي ارتكبتها ميليشيات آل دقلو الإرهابية، لكن جراح المدينة لم تندمل، وذاكرة الضحايا لم تغب، وأسئلة العدالة والمساءلة لا تزال مفتوحة. فالمأساة التي عاشها سكان المدينة، وما صاحبها من قتل ونزوح وانتهاكات جسيمة، تفرض على السودانيين والمجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وقانونية لا تسقط بالتقادم، عنوانها إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين.

إن مرور عام على هذه الفاجعة ليس مجرد مناسبة لاستعادة الألم، بل محطة لمراجعة ما أُنجز في توثيق الانتهاكات، وما ينبغي فعله لتحويل شهادات الناجين إلى أدلة تحفظ الحقوق وتدعم مسارات العدالة. وتقتضي خطورة ما شهدته الفاشر توثيقاً مهنياً مستقلاً يكشف ملابسات الجرائم، ويرصد آثار الحصار والمعارك والنزوح على السكان والبنية التحتية والنسيج الاجتماعي.

تقع على عاتق الصحافة السودانية مسؤولية محورية في إبقاء القضية حية، عبر إنتاج سلاسل وثائقية تستعيد الأيام الأخيرة قبل سقوط المدينة، وتوثق معاناة المحاصرين، وتستمع إلى الناجين وأسر المفقودين، وترصد مصائر العائلات التي تفرقت تحت وطأة العنف. فخلف كل شهادة إنسان فقد عزيزاً، وخلف كل اسم حكاية تستحق أن تُروى، وحقاً لا يجوز أن يضيع وسط ضجيج الأحداث.

كما لا بد من توثيق نضالات أبناء الفاشر وصمودهم، واستحضار مواقف الشخصيات التي واجهت المأساة بشجاعة، وفي مقدمتهم الطبيبة الشهيدة الميرم هنادي، والإعلامية آسيا خلفية، صاحبة الصوت المدافع عن الحق، مع مواصلة رفع الصوت والمطالبة بإطلاق سراح مراسل قناة الجزيرة مباشر، الشاب معمر إبراهيم، وضمان سلامته.

وتقع على النخب الثقافية والإعلامية والحقوقية مسؤولية إطلاق مبادرات وتنظيم ندوات عامة تناقش سبل تحقيق العدالة، والتعريف بالقانون الدولي الإنساني، والتأكيد على أهمية حماية الشهود وصون الأدلة، والتعاون مع الآليات القضائية المختصة، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، وفق اختصاصاتها وإجراءاتها القانونية.

إن انتهاكات مليشيات الدعم السريع، بقيادة أسرة آل دقلو، تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة تحدد المسؤوليات الفردية والقيادية، بعيداً عن الإفلات من العقاب. فالمساءلة العادلة لا تقوم على الخطاب وحده، بل على الأدلة الموثقة، والشهادات المتقاطعة، والتحقيقات المهنية التي تصمد أمام القضاء.

وتحتاج الفاشر اليوم إلى مشروع وطني لحفظ ذاكرتها، بمشاركة أبنائها والنازحين والناجين، وتوثيق تفاصيل الحياة التي مزقتها الحرب، من الأسواق والأحياء إلى البيوت التي تنتظر عودة أصحابها. ففي معسكرات النزوح، ومنها معسكر العفاض بمحلية الدبة في الولاية الشمالية، قد نجد شهادات وتفاصيل لم تُروَ بعد، وروايات تحمل وجع الفقد والصمود معاً.

الفاشر ليست ذكرى عابرة؛ إنها قضية وطن وامتحان للضمير الإنساني. وبعد عام على المأساة، تظل مسؤوليتنا أن نحفظ أسماء الضحايا، ونوثق الحقيقة، وننصف الناجين، ونعمل من أجل عدالة لا تستثني أحداً، حتى لا تتحول الجرائم إلى وقائع منسية، ولا يصبح الصمت باباً لتكرارها.

مقالات ذات صلة