*”مِفْتَاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب) دافوري الحلة… والكرات المرتدة بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

زمان، لما كنا صغار، كان دافوري الحلة واحداً من أجمل متع طفولتنا، خصوصاً لما تكون المباراة بين حلتين متجاورتين؛ أولاد الصحافة غرب مربع (18) ضد أولاد الصحافة غرب مربع (23)، وهكذا دواليك.
تبدأ المباراة بكورة… وتنتهي أحياناً بمعركة!
تشتد المنافسة، وترتفع الأصوات، وتكثر المخالفات، والحَكَم غالباً ما عندو سلطة، وأحياناً ما عندنا حَكَم من أصلو!
وفجأة يتحول الدافوري إلى معركة سيوف، على شاكلة المسلسلات التاريخية التي كان لها رواج كبير في جيلنا، أيام الجواسر والكواسر، وأبطال مسلسل «غضب الصحراء».
تابعنا الجزء الأول، وانتظرنا الثاني والثالث، وكنا نتشوق لرابع وخامس… لكن الأيام جرت، وكبرنا، وكبرت أحزاننا، واكتشفنا أن المسلسل الحقيقي لسه ما بدأ!
فقد انتقلنا من دافوري الحلة إلى دافوري القرارات، ومن الكرات المرتدة إلى ظاهرة جديدة اسمها القرارات المرتدة!
والغريبة أن الدافوري القديم كان بين فريقين من حلتين متجاورتين، أما دافوري اليوم فأصبح بين فريق «حلة القرار» وفريق «حلة الرجوع عن القرار»!
واحد يقرر… والتاني يتراجع!
واحد يفلق… والتاني يداوي!
أما نحن، الشعب السوداني، فبقينا أولياء أمور الفريقين، قاعدين على الخط، شايلين الشاش والقطن، ومستعدين لأي إصابة.
لكن العجيب أن الضرب والجروح ما بتجي في اللعيبة… بتجينا نحنا المتفرجين!
يا جماعة الخير… يا أهل القرار، روقوا القصة شوية!
والله بعد دا بنشيل كورتنا، ونطفي الشاشة، وتاني لا دافوري لا مسلسل ولا يحزنون!
لكن المشكلة أنو الكورة كورتنا، والملعب ملعبنا، ونحن البندفع ثمن كل قرار، وثمن الرجوع عنو كمان!
والحكايات كثيرة…
نبدأ بحكاية العودة للعمل، وما صاحبها من حديث عن الموظفين الموجودين بالخارج، والسفارات، والإجازات.
يا دكتور، قلت لي شنو؟ العيشتين بي كم؟!
غايتو سعادة السفير قال لي: خمسة بألف!
أها يا سعادة وزير الموارد البشرية، نمشي السفارات نسوي شنو؟ نشتغل معاهم؟ ولا يدونا الجواز الأحمر داك؟ ولا نمشي نوقّع ونأخذ إجازات؟!
وبعدين، حكاية الإجازات دي ذاتها، الواحد بقى ما عارف هو في إجازة من الشغل، ولا الشغل ذاتو في إجازة منو!
وما بين العودة والإجازات، والناس المشغولة بلقمة عيشها، ظهرت لينا حكاية تانية، بطلها هذه المرة طبق الفول!
طلب الفول الحصل عليهو الحظر، لسه محافظ على سعرو الجديد؟ ولا نزل بعد فك الحظر؟
غايتو الفول دا بالذات بقى عندو شأن أعظم من شأن بعض الملفات الكبيرة!
والغريبة أنو القرارات مرات بتتغير في يوم وليلة، لكن الأسعار، لمن تطلع فوق، بتنسى طريق الرجعة!
ومن لقمة العيش إلى مستقبل العيال، نصل إلى الحكاية الأكثر وجعاً… حكاية الجامعات والمراكز الخارجية.
يا جماعة، أولادنا ديل يقروا وين؟ جوة السودان؟ ولا برة السودان؟ ولا في منطقة الأعراف بين الجوة والبرة، المسماة (أون لاين)؟!
والأون لاين دا ذاتو محتاج شبكة، والشبكة كعبة، والكهرباء حكايتها حكاية، والطالب المسكين بقى محتار: يفتش ليهو عن جامعة، ولا عن شبكة، ولا عن كهرباء، ولا عن مستقبل؟!
وبينما الناس تحاول ترتيب أوضاعها، جاء قرار إيقاف المراكز الخارجية للجامعات، فبدأت الأسر تتحرك وفقاً له، كلٌّ حسب ظروفه وإمكاناته.
ثم جاء بالأمس قرار عودة المراكز الخارجية!
يا سلام!
لكن بين القرار الأول والقرار الثاني، حدث ما حدث!
طلاب رجعوا، وأسر حزمت حقائبها، وأخرى غيّرت ترتيبات حياتها، وطلاب بحثوا عن فرص للتعليم خارج حدود الوطن، بل وخارج حدود المراكز الخارجية نفسها! وطالبة تركت امها المريضة عند الجيران ورجعت.
أموال صُرفت، وإقامات انتهت، وسكن أُخلي، وأحلام أُعيد ترتيبها على عجل.
ثم جاء القرار الجديد!
طيب يا جماعة، والناس الشالت عفشها ومشت؟!
والأسر الدفعت ثمن القرار الأول، منو البيدفع ليها ثمن التاني؟!
وااااه يا زمن!
نحن لا نعترض على تصحيح القرار؛ فالتراجع عن الخطأ فضيلة، لكن السؤال: لماذا لا تُدرس آثار القرارات قبل صدورها، بدلاً من أن يتحمل المواطن نتائجها، ثم يتحمل نتائج التراجع عنها؟
وهنا تذكرت دافوري زمان…
رغم الخناقات والسيوف، كان عندو ميزة واحدة: لما المغرب يأذن، بنوقف اللعب، وكل زول يشيل كورتو ويرجع بيتهم.
أما دافوري اليوم، فلا المغرب أوقفو، ولا صافرة النهاية سمعناها!
والحقيقة أن المواطن السوداني، الذي أثقلته الحرب وأرهقته ظروف الحياة، لم يعد يحتمل مزيداً من التجارب في معاشه وعمله وتعليم أبنائه.
يا جماعة… نحن ما ضد القرارات، ولا ضد مراجعتها، لكن عايزين قرارات نعرف نرتب عليها حياتنا، وما نصحى كل يوم نبدأ من جديد!
كسرة أخيرة…
يا سادة مجلس الوزراء…
أصدروا القرارات، لكن بالله عليكم ركّزوا فيها شوية!
فصناعة القرار علم وإدارة، وليست مجرد توقيع على ورق. وأظن أن بمجلس الوزراء إدارة تُعنى بصناعة القرار ودعمه؛ فإن كانت موجودة، ففعّلوها، واستعينوا بأهل الخبرة والاختصاص.
فالقرار الجيد ليس الذي يُصدر سريعاً، وإنما الذي تُدرس آثاره قبل إصداره، ويستطيع الناس أن يبنوا عليه حياتهم.
حتى لا تصبح قراراتنا على شاكلة:
النمر… النمر!
ثم نكتشف أن النمر لم يكن إلا نمراً من ورق!
وبالمناسبة، يا سادة، ما تخلونا نرفع عليكم دعوى جماعية، نطالب فيها بالتعويض عن الأضرار النفسية والمادية الناتجة عن القرارات المرتدة!
وغايتو لو وصلنا المحكمة، أول طلب لينا ما ح يكون تعويضاً مالياً…
بس عايزين قرار يعيش لينا شوية، لحدي ما نلحق ننفّذو!
ودمتم… ونواصل…

مقالات ذات صلة