كثيراً ما يسألني بعض الأحباب الذين يجدون في كتاباتي ما يستحق القراءة والمتابعة: لماذا لا تكتب باستمرار؟
وكانت إجابتي دائماً أنني لا أكتب لمجرد الكتابة، وإنما أكتب حين أجد ما يستفزني إليها.
وما أكثر حكاوي الاستفزاز في زماننا هذا!
بالأمس، وأنا أتابع قروباً على الواتساب اسمه (مشكلة الدواجن)، وجدت نفسي أمام حكاية من حكاوينا السودانية التي تبدأ بالضحك، ثم لا تلبث أن تترك في النفس غصة!
القروب جمع أهلنا بمدينة كريمة وما جاورها من أحياء وقرى، ممن أقلقهم وجود مزارع الدواجن بالقرب من مناطقهم السكنية، وما قد يترتب عليها من آثار صحية وبيئية.
والحقيقة أن المشكلة ليست مع الدجاج المسكين!
فالدجاج لا يعرف شيئاً عن قوانين الصحة العامة، ولا عن التخطيط العمراني، ولا عن الاشتراطات البيئية، ولا حتى عن المدير التنفيذي لمحلية مروي!
كل ما يعرفه أن يأكل ويشرب ويبيض، ثم ينتظر مصيره المحتوم!
لكن يبدو أن بعض الدجاج أصبح أوفر حظاً من الإنسان… فله حق الإقامة، بينما المواطن ما زال يبحث عن حقه في الهواء النظيف!
قرر أهلنا أن يواجهوا المشكلة بطريقة حضارية، عبر القنوات الرسمية والقانونية، بعيداً عن الصخب والتجاوزات.
وبدأت الرحلة…
شكوى من الحي إلى المحلية…
ومن المحلية إلى الجهات المختصة…
ومن مكتب إلى مكتب…
ثم محامٍ… ومحامٍ آخر…
وقضية… وأمر محكمة…
ولجنة فنية… ثم لجنة فنية أخرى…
واجتماع… واجتماع بعده اجتماع!
حتى خُيّل إليّ أن المحلية قد أنشأت مزرعة جديدة، ولكن هذه المرة لإنتاج اللجان بدلاً من الدواجن!
والفرق أن مزارع الدواجن تنتج البيض والفراخ، أما مزرعة اللجان فتنتج المحاضر والتوصيات والخطابات، ويبدو أن إنتاجها مستمر طوال العام!
ومضت الأيام، وأهلنا ينتظرون.
ثم كانت الوقفة الاحتجاجية أمام محلية مروي، في مشهد حضاري عبّر فيه المواطنون عن قلقهم ومطالبهم.
وجلسوا مع السيد المدير التنفيذي للمحلية، وتحدثوا وناقشوا، وخرجوا بشيء من الأمل بأن الحكاية أوشكت على نهايتها.
لكن…
كما يحدث في مباريات دافوري الحلة، حين تظن أن المباراة انتهت، تأتيك كرة مرتدة من حيث لا تحتسب!
فبعد كل تلك الشكاوى والمخاطبات واللجان والاجتماعات، كانت المفاجأة!
ثلاث سنوات أخرى!
أيوه… ثلاث سنوات عديل!
وبحسب ما تداوله الأهالي، فقد مُنحت المزارع مهلة جديدة تمتد لثلاث سنوات.
يعني الدجاج يواصل نشاطه، والمواطن يواصل الانتظار!
وخلال السنوات الثلاث، يمكن أن يتخرج طالب من الجامعة، ويتزوج شاب، ويكبر طفل، وتتبدل أحوال كثيرة…
لكن مشكلة الدواجن تظل كما هي، تنتظر نهاية المهلة!
والله يا جماعة، لو كان الدجاج يعلم بهذه الإجراءات، لاحتفل بالقرار، وربما أقام مهرجاناً تحت شعار:
( ثلاث سنوات من الاستقرار… نحو مستقبل واعد للدواجن!)
أما المواطن، فعليه أن يصبر، وأن يتعايش مع الوضع إلى حين إشعار آخر!
وهنا نترك السخرية قليلاً، لأن الحكاية في أصلها ليست مضحكة.
فمن الناحية العلمية، فإن مزارع الدواجن، متى أُنشئت وأُديرت وفق الاشتراطات الصحية والبيئية، تمثل نشاطاً إنتاجياً مهماً لا خلاف على فائدته.
لكن سوء إدارة المخلفات، وعدم الالتزام بالمسافات والضوابط البيئية المناسبة، قد يؤديان إلى انبعاث غازات مثل الأمونيا، وانتشار الروائح والغبار، وتكاثر الحشرات، واحتمالات تلوث البيئة المحيطة.
وقد تترتب على ذلك آثار صحية، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن والمصابين بأمراض الجهاز التنفسي.
وهذه مخاطر معروفة علمياً، لكن إثبات وجودها وحجمها في منطقة بعينها يحتاج إلى تقييم فني وبيئي متخصص.
فالقضية ليست حرباً على الدجاج، ولا خصومة مع أصحاب المزارع، وإنما دفاع عن حق الإنسان في بيئة صحية آمنة.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كانت هناك مخاطر صحية وبيئية مثبتة، فهل يمكن تأجيل معالجتها ثلاث سنوات؟
وإذا كانت المزارع مستوفية للاشتراطات، فلماذا لا تُعلن التقارير الفنية التي تؤكد ذلك، حتى يطمئن الناس؟
ثم نعود إلى السيد المدير التنفيذي لمحلية مروي…
الذي يبدو أنه وجد نفسه أمام معادلة صعبة:
أصحاب مزارع يريدون الاستمرار في الإنتاج، ومواطنون يريدون الاطمئنان على صحتهم، ولجان تكتب، ومحامون يترافعون، وأوراق تتنقل بين المكاتب!
فكان الحل، بحسب ما وصل إلى الأهالي، أن تُمنح المشكلة ثلاث سنوات أخرى!
يا سيدي المدير التنفيذي…
نحن لا نشكك في نواياكم، ولا ننكر صعوبة اتخاذ القرارات، ولكننا نعتقد أن الإدارة ليست مجرد توقيع على ورقة، وإنما مسؤولية عن آثار ذلك التوقيع.
فالقرار الذي يرضي طرفاً ويترك الطرف الآخر قلقاً على صحته يحتاج إلى مراجعة وتفسير وضمانات واضحة.
وإن كانت الجهات الفنية والقانونية قد أصدرت توصياتها، فمن حق الناس أن يعرفوا كيف انعكست تلك التوصيات على القرار الأخير.
فالشجاعة الإدارية ليست في التمسك بالقرار مهما كانت نتائجه، وإنما في القدرة على مراجعته متى استدعت المصلحة العامة ذلك.
ولعل أغرب ما في الحكاية أن أهلنا، رغم طول الانتظار، ما زالوا يتمسكون بالطريق القانوني والحضاري.
لم يطلبوا المستحيل، ولم يطالبوا بقطع أرزاق الناس، وإنما أرادوا أن يطمئنوا إلى أن صحتهم وصحة أطفالهم ليستا أقل أهمية من أي مشروع استثماري.
فالتنمية التي نريدها هي التي تخدم الإنسان وتحفظ كرامته وصحته، لا التي تضعه في مواجهة مع مصادر رزق الآخرين.
وهنا أجدني أتوجه إلى السيد والي الولاية الشمالية الموقر…
عهدناك صاحب قول وفعل، ونرجو أن يجد هذا الملف طريقه إلى مكتبكم واهتمامكم المباشر.
فالحكاية تجاوزت حدود الشكوى العادية، وأصبحت قضية رأي عام محلي، بعد أن طال انتظار الأهالي وتعددت مخاطباتهم.
والمطلوب ليس لجنة جديدة تُضاف إلى أخواتها، ولا اجتماعاً ينتهي بمحضر يُحفظ في الأدراج!
وإنما مراجعة القرار الأخير، وإجراء تقييم صحي وبيئي مستقل، وإعلان نتائجه للأهالي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحمايتهم إذا ثبت وجود ضرر، مع حفظ الحقوق القانونية لأصحاب المزارع.
فالأمر ليس صراعاً بين المواطن والمستثمر، وإنما مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن بين التنمية وصحة الإنسان.
ونحن على يقين بأن حماية صحة المواطن لا تقل أهمية عن حماية الاستثمار، بل هي أساس التنمية وغايتها.
أما أهلنا في كريمة وما جاورها، الذين صبروا وانتظروا وسلكوا طريق القانون، فنقول لهم:لقد أحسنتم حين جعلتم القانون طريقكم، والحوار وسيلتكم، والصبر زادكم.
ولكن للصبر حدوداً، وللحقوق أصحاباً، وللمسؤولية رجالاً ينبغي أن يتحملوها.
فاحذروا غضب الحليم إذا غضب…
وأخيراً…
يا سادتي، لا نريد أن نظلم الدجاج!
فهو مخلوق مسكين، لا ذنب له في كل هذه الحكاية، ولا يدري أن له ملفاً إدارياً، ولجاناً فنية، ومحامين، واجتماعات، وربما قرارات تمدد له الإقامة!
لكن المفارقة التي تستفزني للكتابة أن المواطن الذي يطالب بحقه في بيئة صحية آمنة قد يجد نفسه مطالباً بالانتظار ثلاث سنوات أخرى!
وكأن الدجاج حصل على إقامة طويلة الأجل… بينما المواطن ما زال ينتظر الموافقة على طلب الهواء النظيف!
ويا سيدي الوالي…
الأمر بين أيديكم، وأطفالنا وكبارنا وأهلنا أمانة في أعناقكم.
فلا تجعلوا آخر ما يخرج من هذه الحكاية بيضة جديدة… ولجنة جديدة… وثلاث سنوات جديدة!
ونواصل… فما زالت حكاوي الاستفزاز للكتابة كثيرة!



