*غنائم العُمد .!!* *الطاهر ساتي*

 

:: عندما تكشف الشركة السودانية للموارد المعدنية عن تجاوز صادرات الذهب حاجز الملياري دولار لعام 2026، تظن أن المحليات المنتجة باتت واحات رفاهية.. لكن الواقع يصفع الأمنيات؛ فالفجوة واسعة بين باطن الأرض المتخم بالكنوز، وظاهرها المثقل بالبؤس والحرمان..!!

:: قانوناً، تخصص الدولة نسباً مقدرة كمسؤولية مجتمعية لتعويض المتضررين، وتحويل الثروة إلى مشاريع ترتقي بحياة البسطاء..غير أن هذه النصوص تظل “حبراً على ورق”، إذ تتحول تلك العائدات من التزام تنموي إلى مجرد غنائم شخصية ومحاصصات لأعيان العشائر..!!

:: فالقانون يلزم شركات معالجة المخلفات – الكرتة – بدفع (4%) للمسؤولية المجتمعية، وتُستقطع (1%) من إنتاج شركات الامتياز.. وهي نسبٌ كبيرة، لو وجدت طريقها الصحيح لغيّرت وجه المحليات المنتجة، بدلاً من أن تظل مجرد أرقام تزين الأوراق الرسمية..!!

:: والخطيئة المتوارثة هي اعتماد وزارة المعادن على الإدارات الأهلية كبوابة وحيدة للتعامل مع المجتمعات.. وفي مناخ سياسي وأمني معقد، تتحول أموال التنمية المستدامة إلى حقائب ترضيات مالية تُدفع للنخب لشراء صمت الشارع وضمان استمرار عمل الشركات..!!

:: ومن المحزن أن يدفع المجتمع ثمن التعدين من صحته وعافيته، فيتنفس السيانيد ويشرب المياه الملوثة، بينما تذهب أمواله إلى جيوب القيادات العشائرية..ويكتمل بؤس الحال بتسرب أكثر من نصف الإنتاج خارج القنوات الرسمية عبر التهريب، ليضيع على أصحاب الأرض حقهم في الحياة..!!

:: يجب مغادرة مربع الترضيات إلى مربع المؤسسية، وذلك بتأسيس آلية مستقلة ومجلس إدارة موحد يحظر تسليم “الكاش” للأفراد.. وتدار هذه المجالس بواسطة لجان شبابية منتخبة بالمحليات المتضررة، لضمان وصول الحقوق إلى أصحاب المصلحة الحقيقيين مباشرة..!!

:: ثم إلزام الشركات بتحويل المستحقات إلى مشروعات عينية مرئية يختارها المواطنون عبر اللجان الشبابية، كحفر الآبار النقية، وبناء المراكز الصحية، وصيانة المدارس.. فالمال السائب في الجيوب يتبخر ولا يترك أثراً، أما بئر الماء ومركز العلاج فهما الضمانة الوحيدة للبقاء..!!

:: ولأن الذهب مورد ناضب وسيزول يوماً، يفرض العقل إنشاء صندوق لأجيال ما بعد التعدين باستقطاع نسبة ثابتة من الإيرادات، ويتم توجيه عائد الصندوق لتطوير القطاعات المستدامة كالزراعة والرعي والغابات وغيرها.. فالذهب ينتهي، والإنسان وأرضه باقون..!!

:: وبالمناسبة، ما الذي يمنع تفعيل منصات الشفافية الرقمية بنشر تقارير ربع سنوية تكشف بالجرام والجنيه حجم الأموال والمشاريع المنفذة لقطع طريق الفساد؟.. إن استقرار الاستثمار لن يتحقق بشراء العُمد والنُظار، بل برضا وتنمية ذلك المواطن البسيط الذي يطلب الحياة لا الموت..!!

مقالات ذات صلة