*حين أبصرت القلوب.. اعادة افتتاح معهد النور لتعليم المكفوفين*

تقرير: إنصاف عبدالله

في ليلة استثنائية امتلأت بالأمل والنور، احتفلت مدينة بحري بإعادة افتتاح معهد النور لتعليم المكفوفين، بعد اكتمال أعمال التأهيل والصيانة والترميم وإعادة التجهيز، بما يسهم في تهيئة بيئة تعليمية مناسبة وتعزيز فرص التعليم والتمكين للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
وجاء الحفل تنفيذاً لمنظمة السقيا والإطعام الخيرية، وبدعم كريم من منظمة وصال فاونديشن، وبحضور المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم الوزير المكلف، الأستاذ صديق حسن فريني، والأستاذ معتصم وكيل وزارة التربية والتعليم، والأستاذ هاشم الجيلي صلاح ممثل منظمة وصال فاونديشن، والأستاذ عمر البشر نائب رئيس منظمة سقيا وإطعام الخيرية، والأستاذ عبدالله أحمد العالم، وياسر أحمد الأمين، والجهات الإعلامية، وأسرة المرحوم أحمد العالم، وجمع غفير من الضيوف الكرام.
وجاء الاحتفال تحت شعار:
( ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصر.. إني أرى من ذوي الأبصار عميانا )
معاً نحو بيئة تعليمية أكثر تمكيناً.. ومستقبل يزخر بالفرص والأمل

فريني: سقيا وإطعام قلوب نابضة بالخير:

استهل الأستاذ صديق حسن فريني كلمته بحمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال إنه يشكر الله كثيراً أن هيأ لهم مجموعة من أبناء وبنات الوطن المخلصين.
وحيا منظمة سقيا وإطعام، وقال: تحية لهم وشكراً جزيلاً لهذه القلوب النابضة بالخير لهذا المجتمع الطيب.
وحيا الأمين العام لمجلس الأشخاص ذوي الإعاقة، وممثل التعليم الخاص، وممثل منظمة سقيا وإطعام، وحيا أهل الجزيرة، وحيا إدارة المعهد والإعلاميين، وقال إنه من أسعد ما يكون وهو في واحدة من المنصات التي وقف فيها منذ انطلاق حرب الكرامة.
وقال الوزير إنه شارك منظمة سقيا وإطعام برامجها المصممة على أنفاس إنسان الخرطوم، ومنها الأسواق الخيرية التي كان المواطن يختار فيها خضاره واحتياجاته بمزاجه، ويُحمل له كيسه إلى عربته دون أن يدفع قرشاً واحداً.
وأضاف أنه رافقهم عندما قطعوا إلى بحري لأول مرة بعد أن نظفتها القوات المسلحة، وأقاموا سوقاً خيرياً في شمال بحري، وكذلك عندما فتحت القيادة العامة، حيث كانوا يذبحون ويوصلون اللحوم للمحاصرين في القيادة العامة، وكانوا مع المحاصرين في المساجد، وقال: _”كانت سقيا وإطعام هي اللحظة الفارقة في استعادة الحياة لبعض الناس.. هذا ليس كثيراً عليكم ولا جديداً عليكم، أنتم في كل يوم تقدمون لنا نموذج خدمة مختلف.
المكفوفون.. تبرعوا بالدم ودعموا معركة الكرامة
وتحدث الوزير عن أدوار المكفوفين في حرب الكرامة، وقال إنهم شاركوا القوات المسلحة أدق تفاصيل إدارة معركة الكرامة، وفي لحظة حاسمة تبرعوا بالدم، وأن الذين تبرعوا لهم اليوم يقاتلون في الصفوف الأمامية، وهذا جزء من الأمانة.
وقال إنه تعلم منهم الكثير، فالكفيف يحفظ بالسمع والذاكرة ما لا يحفظه المبصر، ويعرف الناس بأصواتهم وخطواتهم، ويملك قدرة عجيبة على الحفظ والتمييز، وأضاف: هذه الشريحة ليست شريحة عاجزة، بل هي شريحة مبدعة وقادرة، إذا وجدت الرعاية والتعليم والاهتمام
وتحدث عم نقص الإمكانيات قبل الحرب ثم جاءت الحرب ودمرت الكثير، لكن إرادة الخيرين أعادت الحياة إليه اليوم.

وأكد أن وزارة التنمية الاجتماعية تضع قضية الأشخاص ذوي الإعاقة في مقدمة أولوياتها، وتعمل مع مجلس الأشخاص ذوي الإعاقة والمنظمات الوطنية لتوفير التعليم والرعاية والتأهيل، وقال: نحن في الوزارة لن نترككم وحدكم، وسنقف معكم حتى يعود معهد النور في بحري وفي كل السودان إلى مكانته القومية.

ونقل الوزير تحيات والي ولاية الخرطوم للحضور وتوجيهاته بتأهيل كل مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة بولاية الخرطوم.
ووجه الوزير تحية خاصة للمعلمين والمعلمات في المعهد، وقال إنهم يبذلون جهداً مضاعفاً، ويعملون بحب وصبر، ويستحقون كل التقدير والاحترام، ودعا الخيرين ورجال الأعمال والمنظمات إلى مواصلة دعم هذه الشريحة، وتوفير الكتب بطريقة برايل، والأجهزة المساعدة، ووسائل التعليم الحديثة.

واضاف فريني _”هذا اليوم يوم فرح.. فرحنا أننا رأينا النور يعود إلى معهد النور، ورأينا أبناءنا يبتسمون، ورأينا الخيرين يتسابقون في الخير.. هذا هو السودان الذي نريده، سودان يتكاتف فيه الجميع من أجل أبنائه.

إعلان شراكة ذكية بين الوزارة وسقيا وإطعام ووصال:
وفي ختام كلمته، وجه الوزير فريني تحية خاصة لأهل معهد النور، وقال إنهم تبرعوا بيومين من أجل أن ينتصر الوطن وتنتصر معركة الكرامة، ووجه كافة مؤسسات الأشخاص ذوي الإعاقة في ولاية الخرطوم بالالتفاف حول هذا النموذج.
وأشاد بقدرة منظمة سقيا وإطعام العالية جداً على التواصل والعمل، وقال إنها منظمة تتنفس بأنفاس إنسان ولاية الخرطوم، وبأنفاس مؤسسات الولاية.
وقال الوزير:: أعلن من هنا شراكة بين وزارة التنمية الاجتماعية ومنظمة سقيا وإطعام في تنفيذ كافة مناشط الوزارة بما يتناسب مع أولويات ولاية الخرطوم.
رسالة ليست حضوراً عادياً
وفي كلمته الترحيبية، رحّب ممثل منظمة سقيا وإطعام الخيرية بالحضور جميعاً، وقال إن هذا اليوم طال انتظاره، وهو يوم إعادة افتتاح معهد النور، مقدماً الشكر لكل من قطع مسافات بعيدة وجاء ليشارك فرحة النور في محراب النور.

وأضاف: وجودكم رسالة تقول لأبنائنا المكفوفين أنتم لستم وحدكم، وأن هذا الوطن يحبكم ونحن خلفكم جميعاً.
المعهد ليس جدراناً.. بل حياة كاملة:
وأكد نائب رئيس منظمة سقيا وإطعام الخيرية، الأستاذ عمر البشر، أن اهتمام المنظمة بتأهيل المعهد ينبع من إيمانها بأن المعهد ليس جدراناً، بل حياة كاملة، وقال: عندما نؤهل المدرسة نحن لا نبني حائطاً ولا نصلح سقفاً فقط، وإنما نعيد للطفل حقه في مكان آمن.
وأضاف: الطفل لا يستطيع أن يتعلم في فصل مظلم أو مقعد مكسور أو حمام غير صالح أو بيئة غير آمنة.. والتغيير الحقيقي يعني أن يأتي الطالب إلى المدرسة وهو مطمئن ومرتاح ويشعر بالكرامة والاحترام والراحة

أكثر من 30 مدرسة.. ومشروع مستمر:

وكشف المتحدث أن منظمة سقيا وإطعام الخيرية عملت على تأهيل أكثر من 30 مدرسة في ولاية الخرطوم وغيرها، شملت إعادة تأهيل كاملة للفصول والحمامات والساحات، وتوفير بيئة تعليمية آمنة وصحية، وذلك بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.
وقال إن عمل المنظمة لا يقتصر على البناء فقط، بل يمتد إلى تأهيل المعلمين، وتدريبهم، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، والاهتمام بالنظافة والصحة المدرسية، وإشراك المجتمع المحلي وأولياء الأمور في العملية التعليمية.
وزاد لا نعمل وحدنا.. نعمل جنباً إلى جنب مع وزارة التربية والتعليم، ومع المجتمع، لأن التعليم مسؤولية الجميع، ولأن أبناءنا يستحقون الأفضل.

إعلان إنساني يهز المكان:

وقبل أن يلقي ممثل منظمة وصال فاونديشن كلمته، فاجأ الحضور بإعلان إنساني مؤثر، حيث قال إنه بصفته محامياً، يعلن تبرعه وتكفله تطوعاً بأي قضية تخص المكفوفين في هذا المعهد.
وقال الأستاذ هاشم الجيلي صلاح: _”أعلن أنا كمحامي أتكفل تطوعاً بأي قضية للمكفوفين في هذا المعهد.. ورغم أن المعهد معهد قومي، لكن إن شاء الله أكون أول المتطوعين، وإن شاء الله ما تكون في قضايا أصلاً.”
ولقي الإعلان تصفيقاً حاراً من الحضور، باعتباره رسالة دعم قانوني وإنساني لأبناء المعهد.
وثمّن دور المنظمات الوطنية الحقيقية التي تعمل من أجل الوطن، مؤكداً فتح المعهد أبوابه لكل المكفوفين، وذلك بتجديد الأمل نحو مستقبل واعد.
ليس تجديد مباني.. بل تجديد أمل:

وأضاف: إننا اليوم لا نحتفل بتجديد المباني ولا المرافق، بل نحتفل بتجديد الأمل في القلوب، وبخطوة جديدة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وإنجازاً، يؤكد أن الإرادة الصادقة قادرة على صنع التغيير.

وقال إن وقوفهم مع أبناء المعهد لم يكن حضوراً عادياً، بل كان رسالة محبة وإيمان بقدرات أبنائنا وبناتنا، وإيماناً بأن لكل طفل الحق في التعليم، ولكل إنسان الحق في بيئة تحفظ له كرامته وتمنحه الفرصة ليحقق أحلامه.
وتقدم بخالص الشكر لمنظمة سقيا وإطعام في تنفيذ هذا المشروع بأجمل صورة، ولإدارة المعهد ولكل العاملين وكل من بذل جهداً أو قدم فكرة أو مد يد العون، وقال: _”أثبتم جميعاً أن الإنجازات العظيمة تتحقق حينما تتحد القلوب وتتكاتف الجهود.
رسالة للأبناء: أنتم نجوم هذا اليوم

ووجّه المتحدث رسالة مؤثرة لأبناء المعهد قائلاً: أبناؤنا وبناتنا الأعزاء أنتم نجوم هذا اليوم وأنتم فخرنا وأملنا.. هذا المعهد بيتكم وهذه الفرصة لكم وهذا المستقبل ينتظركم، أنتم صانعوه.. ثقوا بأنفسكم، تمسكوا بأحلامكم، واجعلوا من العلم طريقكم نحو التميز والنجاح، وأنتم قادرون بعزيمتكم وإصراركم على تحقيق ما تصبون إليه. و بداية لمرحلة من التقدم والتميز، وأن يصبح معهد النور منارة للعلم والإبداع، ومكاناً تنمو فيه المواهب وتتحقق فيه الطموحات، ويجد فيه كل طالب ما يعينه على بناء مستقبله.

المقر الرئيسي في بحري.. الخطوة القادمة

وكشف المتحدث عن الخطوة القادمة للمشروع، وهي تأهيل المقر الرئيسي للمعهد في بحري، جوار أحمد قاسم، مشيراً إلى أن المعهد معهد قومي على مستوى السودان، وقال: إن شاء الله في قادم الأيام ومع أيادي الخير والمنظمات الوطنية نعمل في المقر الرئيسي ليكون شامل لكل السودان، ونجهزو تجهيز حقيقي

دعوة للخيرين.. الشريحة تحتاجكم:

وفي ختام الكلمات، وجّه أحد المتحدثين دعوة صادقة للخيرين وأهل العطاء، مؤكداً أن هذه الشريحة تحتاج فعلاً للخيرين، وتحتاج لمن يقف معها ويساندها.
وقال إن هذا الطريق طريق طيب وطريق مبارك يجب أن يُسلك، داعياً إلى الاهتمام بالرعاية الاجتماعية، وأن تكون مجالسهم ومدارسهم على مستوى الكليات والولايات مؤهلة ونظيفة وبها بيئة صالحة وجاذبة.
وأضاف أن المنظمات قامت بعمل حصر للمؤسسات التي تحتاج إلى تأهيل، مؤكداً أن الاهتمام بهذه الشريحة واجب على الجميع، ومقدماً الشكر لكل من ساهم وشارك في هذا العمل الكبير.
الأمين المالي للمعهد: أكثر من 20 مبنى تضرر.. والمستحيل عاد أفضل مما كان:
وفي كلمة مفصلة عن حجم العمل، قال الأمين المالي للمعهد إن المعهد تجاوزت مبانيه العشرين مبنى، منها ما تضرر بالرصاص الطائش، ومنها ما أصابه التدوين.
قال ان العمل بدأ مع مبادرة المرحوم أحمد عالم في المرحلة الأولى، في صيانة عدد مكتبين والسفرة، ثم أتت من بعد ذلك منظمة وصال فاونديشن ليكتمل الحلم عبرها.
وكشف عن التفاصيل التي تمت بعد صيانة الفصول والمكاتب:
وأوضح أن الداخلية الآن يسكنها 100 طالب، 40 بنات و60 أولاد، ويجدون فيها كل ما يحتاجونه في مسيرتهم التعليمية.

وقال: لقد كان هذا المشروع حلماً يراودنا طويلاً، أن يعود المعهد إلى سابق عهده بل أفضل مما كان عليه، بيئة تعليمية آمنة ومجهزة ومهيأة، تحفظ فيها كرامة الطالب، وتصان فيها حقه في التعليم والتأهيل والانتماء في المجتمع

شكر لوصال فاونديشن.. حجر الأساس:

وتقدم الأمين المالي بخالص الشكر والامتنان والعرفان أولاً للداعم الرئيسي لهذا الإنجاز، منظمة وصال، التي آمنت بالفكرة منذ بدايتها وساندت بكل سخاء وإخلاص حتى اكتمل العمل، وقال إن دعمها كان حجر الأساس الذي قام عليه هذا الإنجاز.

وقال وصال، فاونديشن وممثلين من منظمة وصال، ووفد كريم من مدينة الجزيرة قرية محافظة الكاملين، جسدوا أسمى معاني الشراكة الإنسانية، وأثبتوا أن الخير حين يجتمع مع الإرادة الصادقة يصنع المستحيل.

وكشف أن تكلفة المشروع بلغت 108 مليار.

كما تقدم بالشكر مبادرة المرحوم أحمد عالم على مساهمتها الكريمة والفاعلة في تأهيل معهد النور في المرحلة الأولى، التي تمثلت في صيانة عدد مكتبين وعدد السفرة، سائلاً المولى عز وجل أن يتقبل جهدهم

الإعاقة البصرية ليست عجزاً.. بل بصيرة أخرى

وختم الأمين المالي بأن هذا الجهد وتكامل الأدوار وإيمان الجميع بأن التعليم حق، وأن الإعاقة البصرية ليست عجزاً، بل هي بصيرة أخرى ترى النور بقلبها قبل عينها.
وقال: _”ليس الكفيف الذي أمسى بلا بصر.. إني أرى من ذوي الأبصار عميانا.

فرحة الافتتاح وتكريم الشركاء:

وشهد الحفل دخول الحضور لمبنى المعهد بعد التأهيل، في أجواء من الفرح والفخر بهذا العمل الكبير، ولم يتبق سوى بعض اللمسات الأخيرة في سطح الجملون الكبير الذي أقيمت فيه المناسبة

وشهد حفل الافتتاح تكريم عدد من الشركاء في العمل
ويعد معهد النور واحداً من أهم الصروح التعليمية لذوي الإعاقة البصرية، ويشكل إعادة افتتاحه خطوة مهمة نحو تمكين المكفوفين ودمجهم في المجتمع عبر التعليم والتأهيل.

مقالات ذات صلة