*الشمال النيلي أنشودة معاني قيم التضامن والإحترام الدكتور فضل الله أحمد عبدالله*

1

تمهيد أول :

الرسالة الأولى ، خاصة إلى مني أركو مناوي ، حاكم أقليم دارفور ، أقولها لك وأنا أصلا من أبناء دارفور . بان الشمال النيلي هويتي وعشقي .

ولن أكون هامشا مادمت أعطي الآخرين من سماحة نفسي وأنير العتمة للسائرين في الحياة .

تمهيد ثان :

قلت في مقال قديم :
أن مفردات الشريط النيلي ، الجلابة ، دولة 56 أو أصحاب الإرث التاريخي ، هي مفردات نحتتها مخيلة بعض النخب السودانية من دعاة الشقاق ، من إتجاه الغرب الكبير .

إجتهدوا ولا يزالون يجهدون الأنفس بتصوراتهم الوهمية لتحويل تلك المفردات إلى فلسفة واقعية ذات قواعد يسهل الإقتناع بها ، وترويجها خاصة في دارفور التي تم تقسيمها أصلا حسب المصالح القبلية ، والإثنية وأهواء صفوتها .

ومفهوم تلك المفردات بتعبيراتها المتعددة في تقديري ، تعد عملية من عمليات الإنتحال ، أو إرتحال من إرتحالات المفاهيم التي إرتحلت إلى غرب السودان ، من تنصيصات أدبيات الخطاب السياسي في جنوب السودان إبان بروز أزمتها ، عقب سنوات إستقلال السودان مباشرة من حكم الإنجليز .

فأصبحت تلك المصطلحات هي الخناجر المسمومة التى غرستها النخب في خاصرة البلاد ، وأوغروا بها صدور العامة من الناس وفتح الجروح المسببة لجميع الكبوات والمحن اللازمة في مسارات حركة تاريخ سودان بعد الإستقلال .

إذ ، ظل طبع رجال السياسة عندنا – وباستمرار – نحت المفردات المختلفة ، لوسم كل عهد من العهود السياسية بصفة من الصفات .

على هذا الأساس إبتدع بعض النخب نحت مفردات الجلابة ، الشريط النيلي ، ودولة ستة وخمسين بوصفها مصطلحات تبرهن واقعا سياسيا واجتماعيا ونفسيا ، لمرحلة من مراحل التعبير السياسي عن الذات .

إلا أن محتوى تلك المصطلحات قد تخطت دائرة السياسية في دارفور فأصبحت لا تقتصر على مدلولها السياسي المناطقي الجهوي وحده ، بل تعدتها إلى المدلول الثقافي أيضا ، ومن هنا إلتمع في الخطاب السياسي أزمة الإنتماء الوطني ، القومي ، وكيفية التعبير عن خصوصية الشخصية الثقافية والعيش المشترك في الوطن الواحد .

فالمتأمل الناقد لمفاهيم ومدلولات تلك المصطلحات ، لا يستنتج في سياقها إلا ظاهرة إمتداد التصحر إلى السياسة والفكر لدى أغلب المشتغلين بالممارسة السياسية منذ مرحلة طلائع المتعلمين وأزماتهم النفسية والوجدانية ، التي إستبطنها الجيل الجديد ، ليصبح هو نفسه رافدا من روافد تطور الأزمة وتضخم قوامه الكلي واعتلاله ، بوصفه الجيل الذي ولد مشوها وسط لعبة إستسهال الخطابات وتمييع الفكر .

فتولدت النزاعات المسلحة والحروب بكل ملابساتها ، فأورثنا ذلك جيلا كسيحا ، لا يقوى على المشي إلا مستندا على عكاز الغبن والكراهية والنزوع إلى الإنتقام في كل ممارسة من ممارسات حياته .

والشاهد أن مجتمعات الشمال النيلي ، هي التي دفعت تكاليف ذلك الخطاب المجحف .

2

سيدي الطيب صالح ، روى عن ” مريود ” مشخصا ” الطاهر ود الرواس ” .. فقال :

” إن الأسم الوحيد الذي ورثه عن أبيه كان لقبا لم يناده به إلا الكاشف ود رحمه .

كان ود رحمه يقول :

إن بلال رواس مراكب القدرة ، ويقسم أنه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر ، وهو قائم وحده في مركب ينقل قوما غريبي الهيئة إلى الشاطئ الآخر .

يقول الطاهر إن أباه حين مات أخذ أسماءه جميعا معه .
كأنه كان بالفعل روحا مفردا ليس من أرواح هذا الزمان ولا هذه الأرض ”

تلك صورة الطاهر ود الرواس ، في مخيلة الطيب صالح ، ولم تكن في ظني ، إلا معادلا موضوعيا لشخصية إنسان الشمال النيلي .

تلك البيئة الإجتماعية التي شكلت شخصية الطيب صالح ابن منحنى شريط النيل ، الذي أصبح نفسه ” مريود ” الناس في كل مكان .

يقرأونه بلغات العرب والعجم ، سرا وجهرا ، فيكشف في جميع مروياته أن لا سبيل لاتساع أمبراطورية العقل ، إلا بالنظر إلى الآخر المختلف .

واستجلاء المستغلق من بعض أشياء الوجود ، بوقوف ” الأنا ” أمام ” الآخر ” والنظر بدقة متأملة ، فاحصة للآخر الثقافي المختلف ، المغاير بعض الشيء ، أو حتى في أقصى حدود الإختلاف .

حتى تزداد ” الأنا ” ، معرفة جديدة ، بتفسير الأمور الكامنة وراء السطح .

ذلك في تقديري هو أقوى ما يحرض المرء ويستفزه ، للإلتفات إلى ذاته ، والبحث فيها عن سبل تحسين المواقف تجاه الذوات الأخرى .

إن الإنطلاق في السير على درب تأمل الآخر المختلف إلى أقصى الحدود الكائنة ، هو ما يمنحنا القدرة على التحرك باتجاه تأسيس وتأثيث المواقف الإيجابية الجديدة .

ومذهبنا في ذلك مذهب أحد حكماءنا ، القادمين من ذات الشريط النيلي ، وهو الشاعر الأديب الناقد محمد المهدي المجذوب الذي يضج إنسانية وفكرا رفيعا ، وحكمة قائلا :

” وقد أجد مسكينا محزونا فأسخر من نفسي أمامه ، مواساة له ، واعتقادي الذي لا أحيد عنه ، أن الناس متساوون .

ليس هناك إنسان أفضل من إنسان إلا بمقدار ما يعطي من صدق نفسه للآخرين ”

ذهب محمد المهدي المجذوب إلى تأكيد إعتقادنا الخاص الذي طالما ظللنا نردده في كثير من كتاباتنا ، أن الإنسان يصنع مركزيته بنفسه ، أي من حيث ما يقدمه من نفع للإنسانية وإضافته للوجود الإنساني .

في البحث عن المركزية لا نحتاج أن نصوب البنادق نحو الآخر المختلف ، ولا أن نحرق الأوطان بنيران الحقد والإشتفاء .

” المركزية ” هي في المعنى المأثور :
” خير الناس أنفعهم للناس ”

كلما أعطيت الآخرين من جمال نفسك ، وسماحة روحك ، كنت أنت ” المركز ” .

3

و المركز هو أنا بخير يداي ، وقدح زناد عقلي ، فلا أحد يستطيع أن يجعلني هامشا ، ما دمت أمد يدي لا أسلب أو أنهب ، ولكن لإعطي الآخر سماحة نفسي .

أرفع المعول لأبني ، لا ، لأهدم ، وأشعل النار لا لأحرق ، ولكن لإضئ العتمة للفائزين .

فقيم التضامن والإحترام وسماحة النفس هي من أميز خصائص أهل السودان المستوطنين جهة الشمال النيلي .

أزعم أن تفردهم وتميزهم يكمن في منهجهم المعتدل مشيا في الحياة ، والنظر إلى الأزمات بعين البصيرة لا الغباء المميت ، والتعامل بأقصى درجات الحكمة مع تعقيدات كوارث الطبيعة ، وتشابكاتها التي أنتجت واقعا حياتيا ضاري القسوة ومعاناة تحيط بالرجال والنساء على حد سواء ، أرضهم هي الصحراء ، بكل معاني الشقاء .

بيد أنهم يتعاظمون إنسانية في مقاومتهم العنيدة لقساوة طبع الأرض ، التي تحالفت مع ضراوة الطبيعة والأشياء .

شاعرنا أستاذ المسرح الدكتور عزالدين هلالي – رحمه الله وغفر له – أبن ديار المحس ، بشاعريته ، كأنه يمتحنا مشهدا من مشاهد تلك المقاومة العنيدة للظروف وتعقيداتها في غنائيته الرائعة : ” طبع الزمن ” التي تغنى بها ” صلاح بن البادية ” ..

ويصور ذلك التحدي والجسارة التي تميز بها أهله في الشمال صبرا على الصعاب :

” ﻓﻲ ﻋﻴﻮﻧﺎ ﺑﻨﺸﻴﻞ ﺍﻟﺼﺒﺮ
ﻛﻞ ﺍﻟﻌﻤﺮ
ﺑﻨﺸﻴﻠﻮ ﺭﻳﺪ
ﺑﻨﺸﻴﻠﻮ ﻋﺰ

ﻗﺪﺍﻣﻨﺎ ﺷﻮﻑ ﻛﻢ ﺯﻭﻝ بكى
ﻗﺪﺍﻣﻨﺎ ﺷﻮﻑ ﻛﻢ ﺯﻭﻝ ﺗﻌﺐ .

ﻻ ﻣﺮﺓ ، ﻭﻻ ﻳﻮﻡ ﺍﺷﺘﻜﻲ ،
ﻭﻻ ﻗﺎﻝ ﺧﻼﺹ ﺻﻌﺐ ﺍﻟﺪﺭﺏ

أﻫﻮ ﻧﺤﻨﺎ ﻋﺎﺭﻓﻴﻦ ﺍﻟﺤﺼﻞ
ﻭﺑﺮﺿﻮﺍ ﺑﻨﻘﻮﻝ ﻋﺎﻭﺯﻳﻦ ﻧﺤﺐ ”

تلك هي صورة الصبر والصلادة فعلا ، أمام تعقيدات الحياة وتشبكاتها :
وبرضوا بنقول عاوزين نحب ..

لا نزوع للخصام والتباغض في شرع أبناء البلد المحبين .
بينهم وبين التباذئ والتنابذ حوائط من السماحة والرضا .

صنعوا مركزيتهم الباذخة ، بقيم التضامن والإحترام والتمسك بكريم الأعراف .

ولأن الحوار بين الناس مطلب غريزي في الحياة ، علا صوت مبدع منحنى النيل ساحر الطنبور وملكه الأغر ” النعام آدم ” :

” يا اخي فواضني بلا زعل ،
فاوضني ياخي أنا عندي حل ”

4

تناقض الرؤى ، وتضاد الأفكار ، وتباين الناس ، ألوانا وأعراقا ومواقفا ، هي آية من آيات الله في خلقه .

بيدا أن المحبة والوئام بين الناس ضرورة ، والمودة هي ما تجعل الحياة قابلة لأن تعاش ، ولن تكون المحبة إلا بالتماس التوازن الروحي ، كما قال الطيب صالح على لسان ود الرواس في روايته بندر شاه ، مريود :

القوة ليست للجسد بل للروح والعزيمة . وكثف ذلك المعنى وبقدر أعظم في روايته عرس الزين .

إذ منح الزين نبضا أسطوريا خاصا مليئا بالأسرار ، الزين بقامته الطويلة وجسمه النحيل كان كأنه صاري المركب يحفظ الإتزان النفسي والروحي ، ويدفع المركب إلى الأمام بالمحبة ، ومشربا صافيا من مشارب الحنان وتأصيل الوفاق والتسامح .

فلا محبة بلا توازن الروح .
القيم الروحية هي المقوم الأساس لكل مجتمعنا السودانية ..

تلك المعاني العظيمة تجدها في إنسان الشمال النيلي ، كيف تعامل مع صعاب الحياة ببساطة سلوك ، وأناقة روح ،
لا مكان عنده للمراثي الشكاءة البكاءة ، والإبتزاز الماكر المذل للذات ، والماحق للحياة .

لم يغرسوا الخناجر في ظهور بعضهم البعض ، ولم يصوبوا البنادق في صدور الآخرين ، ولكنهم غرسوا في الأرض بذور النبات المختلف الألوان والأشكال والذائقة .
برغم ضيق الأرض الخصب ، أمتد خير زروعهم إلى كل جهات السودان .
جعلوا من التعليم هو الهدف الأعلى لبلوغ صلاح المجتمع وازدهاره .

فلا يتقدمهم جاهل ،
ولا يقدمون أمام الأمام إلا من تأهل بالعلم ، وأجاد وبرع وأبدع .
فكل فرد منهم عرف موقع وجوده فلزم .

كل شيء عند أهل شريط النيل بالحساب ، والحساب عندهم حساب المعاني ، لا الأرقام .

الزمن مقتسم ،
والرزق مقتسم ، والأرض مقتسم .
وبهذه القسمة يجعلون من ضيق مساحات شريط النيل أوسع .
إن صناعة الكراهية هي ما تضيق مساحات أرض البلاد .

وأقول إلى الذين لايزالون يمشون بالخطاب القديم المرتكز على تأليب الناس باسم الهامش والمهمشين وتجريم الدولة ومؤسساتها ، وأطلاق المفردات المستهلكة وإلى غير ذلك من الأساليب الخطابية ، عليهم أنْ يفهموا أنّ ذلك المنهج لم يعد له أي ميزة تفضلية .
بل هو من مهددات الأمن القومي السوداني .

مقالات ذات صلة