*الحرب الملعونة في ليل جبال النوبة الطويل تفاصيل معركة كرتالا الدامية وتقهقر الحلو لماذا عرقل الفريق الباهي لجنة أبناء النوبة بالخرطوم*

حديث السبت

الحرب الملعونة في ليل جبال النوبة الطويل

تفاصيل معركة كرتالا الدامية وتقهقر الحلو

لماذا عرقل الفريق الباهي لجنة أبناء النوبة بالخرطوم

١

في صباح شبه شتوي؛ نهارٌ بحرارة شمس خفيفة، وليلٌ يطبق ببرودته على أم درمان الحزينة. توقّفتُ بسيارتي التي تئنّ وجعاً من طول المسير في دروب الخرطوم وأم درمان، وقد كُتب لها عمرٌ جديد بعد نجاتها من فرسان المليشيا الذين يسرقون الأحلام والأموال، ويغتصبون الأرض والنساء، وآخِراً الرجال… كل ذلك تحت لافتة الديمقراطية المفتَرى عليها.

توقفت قبالة سينما الوطنية بأم درمان، فأشار لي رجل سبعيني وامرأة تسير بخطوات يثقلها المرض، يطلبان إيصالهم. ركب الرجل إلى جواري وهو يحمل أدوية تكفي لعلاج عشرات المرضى. قال بنبرة حزينة وصوت متقطع:
– يا ولدي…
قلت له مازحاً: لست ولدك، لكني عمّك أو أخوك.

ضحكت زوجته قائلة: هو يدّعي كِبَر السن ساكت.
تنفّس الصعداء ثم قال:
– قُتل أخي اليوم في كرتالا… سمعت بيها؟

نعم، كرتالا واحدة من ستة جبال بشرق جنوب كردفان: الكافير، كلدجي، الدباتنة، الكدرو، الكرورو… ولئلا يتوه القارئ في شعاب جبال النوبة، كان حامد كوكو –هكذا قدّم نفسه– ينظر بعيداً كأنه لمح عنزته التائهة في تلك الفيافي القاسية.

قال: هاجم الجنجويد كرتالا وقتلوا وشردوا أهلها، لكن بسالة أبناء الجبال صدّتهم. إلى متى تظل الحرب تقتل أهلنا؟ ما نحصد إلا الجوع والنزوح. نحن في الخرطوم نعيش ظروفاً صعبة، وحين تأتي عربات الإغاثة نتذكّر أننا أهل شرف وعزّة وكبرياء، أصحاب يدٍ عليا… فإذا بأيادينا أصبحت سُفلى.

واصل الرجل حديثه:
أنا معلم متقاعد. طفت السودان شرقاً وغرباً. أولادي في مؤسسات الدولة. كل أمنيتي فيما تبقى من العمر أن أعود إلى جبال النوبة… قطية من قش تحت سفح الجبل، أرعى غنمي، أزرع جبراكتي، وأموت وأُدفن هناك… لا في مقابر آدم يعقوب، رحمه الله.

كانت تلك مقدمة موجعة لحديث أشد وجعاً عن جبال النوبة، التي سكَنَتها الحرب منذ منتصف الثمانينات وحتى 2003، ثم عادت مطحنة الموت تطحن عظام أهلها. واليوم، كل المؤشرات تقول إن جبال النوبة هي ميدان المعركة القادمة… حتى لو انتصرت القوات المسلحة في دارفور، فإن الجبال مرشّحة لتصبح ساحة لعبة جديدة بين العرب والعرب، وبين الحلو وسيده دقلو، وبين أهل السودان وسيدهم الواحد القهار.

٢

شهدت منطقة كرتالا يوم الخميس واحدة من أشرس المعارك العسكرية منذ سنوات طويلة، وبعيداً عن الأضواء، حقّقت القوات المسلحة –من لواء الدلنج– انتصاراً بالدم والأرواح، فيما مُنيت قوات الحركة الشعبية ومليشيات الجنجويد معاً بهزيمة فادحة.

ما كرتالا؟ وما أهميتها؟

تقع كرتالا في أقصى الشمال الشرقي لجنوب كردفان، تبعد نحو ٧٥ كلم عن الدلنج، و٦٠ كلم فقط عن الطريق القومي الأبيض–كوستي. وهي جزء من سلسلة جبال صخرية شديدة الوعورة بارتفاع ٥٠٠ متر، ويقطنها النوبة الأجانق، إحدى المجموعات اللغوية العريقة الممتدة شمالاً حتى المحس وغرباً حتى الجبال البحرية بدار الريح.

تُعد كرتالا من أغنى المناطق الزراعية وأكثرها إنتاجاً للذرة بعد هبيلا ودلامي. وقد استعصت على الحركة الشعبية منذ بداية التمرد، إذ شكلت جبال الكواليب ساتراً طبيعياً يمنع تمددها، إضافةً إلى وجود أعداد كبيرة من أبناء الكواليب في الجيش والشرطة والدفاع الشعبي، ونفوذ القادة الكبار من أبناء المنطقة أمثال:
الفريق الراحل عمر جرهام، اللواء محمد مركذو، اللواء عمر نمر، العميد ياسر حسن بطران، الفريق موسى جره، الفريق شمس الدين كباشي، اللواء حسن أبوزيد… وغيرهم.

لكن سقوط هبيلا قبل ثلاثة أعوام بيد الجنجويد، وتحالف الحلو مع آل دقلو، فتح مخازن السلاح والمركبات للحركة الشعبية. وأدخلت الإمارات لأول مرة الطيران المسيّر والمدفعية بعيدة المدى والمصفحات في الإقليم، طلباً لتفوق تقني على الجيش، متناسية أن السلاح لا يقاتل… بل تقاتل القضية.

معركة الخميس 27 نوفمبر

تسللت مجموعات من الحركة الشعبية عبر الدروب الوعرة إلى قمة جبل الكدرو ثم جبل كرتالا، ووضعت سوق المدينة وأحيائها في مرمى المدفعية. استخدمت الخداع بإطلاق قصف متقطع من أعلى الجبل منذ الفجر.

لكن القوات التي تسند دروب كرتالا أدركت مبكراً أن مليشيا دقلو تستعد لهجوم بري بأربعين مركبة قتالية، بعضها مصفح. وعند الساعة الثامنة صباحاً بدأت المعركة البرية.

صعد مقاتلو أبناء النوبة إلى القمة وقضوا على القوة المتمركزة هناك، وقتل أكثر من مئة من متمردي الحركة الشعبية. وعلى الأرض استبسلت قوات اللواء 48 الدلنج، وقوات الاحتياط بقيادة أبوربط، ومقاتلو العدل والمساواة، ومستنفرو المقاومة الشعبية من الجبال الستة، وود لامي، وكوكايه، وهبيلا.

تم أسر 24 من مليشيا الجنجويد، وتدمير 10 عربات، والقبض على 5 من أصل 40 مركبة. قُتل 157 من الجنوبيين والتشاديين وعرب الشتات والحوازمة –في أول معركة كبيرة داخل الجبال الستة.

تقهقرت المليشيا نحو الدبيبات، التي باتت أكبر تجمع لهم في المنطقة. وتُعد هجماتهم امتداداً لنشاط التمرد في شرق الولاية بهدف إيقاف تقدّم فرسان أبو جبيهة نحو الدلنج.

لكن الخطط الجديدة للقوات المسلحة أربكتهم، إذ يعانون نقصاً حاداً في العنصر البشري رغم وفرة السلاح. وأي تقدّم للجيش عبر محور كازقيل–الدبيبات–الدلنج قد يفتح ثغرات كبيرة في خطوطهم الخلفية.

أبناء جبال النوبة إذا أُطلقت أياديهم –كما فعل الفريق ياسر العطا– قادرون على حسم المعركة سريعاً. ولا تبرر خسارة واحدة في كازقيل هذا السكون الغريب في الجبهة… فالصيف يقترب، وجبال النوبة لا تزال محاصرة.

٣

كيف يتحقق النصر على مليشيا الدعم السريع، إذا كانت بعض قيادات الحكومة تعمل –خوفاً أو حسابات ضيقة– على إجهاض أي جهد شعبي لدعم القوات المسلحة؟

نهض أبناء جبال النوبة وشكّلوا لجنة عليا لدعم الجيش ومتحرك أسود العرين. ضمّت اللجنة:

جبرالدار التوم: شخصية قومية لا تُعرف لها انتماءات حزبية، وقد اعتقلته الحركة الشعبية سابقاً بتهمة قربه من الفريق شمس الدين كباشي.

رجل الأعمال الشاب عليش،

المحامي د. عادل دلدوم،

الختيم أشقر،

السلطان حسن موسى.

جمعت اللجنة أكثر من 500 مقاتل، وجاء عمر شيخ الدين بأكثر من 100 من جناح السلام، ثم 100 أخرى، وجاء اللواء إسماعيل بكتيبة من قوات عقار. اتجهت كل هذه القوة إلى الأبيض، وبدأت اللجنة عملها في الإسناد المدني، وقدّموا المال والعلاج والغذاء للمقاتلين.

الفريق شمس الدين كباشي التقى اللجنة وأثنى على عملها. وشهد اللواء التوم حامد توتو –القيادي في العدل والمساواة– على عطائها. كما نهض المهندس محمد كرتكيلا بخبرة السنين ووجّه الولايات لدعم المتحرك.

لكن الفريق الباهي، قائد المقاومة الشعبية الاتحادية، لم يَرُق له أن يقود أبناء جبال النوبة هذا النشاط… فأصدر قراراً بإيقاف اللجنة، رغم أنها لجنة شعبية طوعية لا تخضع لسلطة الحكومة ولا لأي جنرال.

وهكذا أصبحت سلطات الفريق الباهي فوق إرادة الناس، وفوق سلطات نائب القائد العام، ووزير الحكم الاتحادي، ووالي الخرطوم… الذين اجتمع مواطنو ولايتهم لاختيار دعم الجيش مدنياً وعسكرياً.

إنه زمن صار فيه:
المال عند بخيله… والسيف عند جبانه.

٤

عاد الفريق ياسر العطا بعد صمت طويل. عاد بخطاب يغذي شرايين المقاومة، وبنبرة تعيد الثقة لجبهات القتال. عاد إلى معاركه السياسية مع الإمارات، ومعاركه العسكرية مع الجنجويد.

فُرض عليه الصمت –كما فُرض على الأعيسر– في محاولة لتهيئة مناخ لتسوية تسعى لها جهات عديدة. لكن البرهان أدرك أن المعركة طويلة، لا تستهدف شخصاً ولا فصيلاً، بل هي معركة وجود… وقودها ياسر وجنوده، ولسانها الأعيسر، وكلمتها الحق التي لا تساوم.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole