*بين بندقية العطا وصوت الشعب د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير العلاقات الدولية .نيويورك*

في اللحظة التي ينتظر فيها السودان أي بارقة أمل للخروج من أزماته، يخرج تصريح ياسر العطا معلناً استعداده للانقلاب على أي سلطة مدنية حتى لو جاءت عبر انتخابات، وكأن مستقبل الدولة لا تحدده إرادة الشعب بل رغبة ضابط يرى الحكم امتيازاً لا مسؤولية. هذا التصريح لا يعبر عن رأي شخصي، بل يعكس الذهنية التي حكمت السودان لعقود طويلة: ذهنية تضع القوة فوق القانون، والانقلاب فوق الشرعية، وكأن الدولة يمكن أن تدار بقرار فردي لا بإرادة شعب كامل.

والواقع يشير بوضوح إلى أن سنوات حكم الجيش كانت الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث؛ لم تورث إلا الاضطراب والانهيار، ولم ينتج عنها سوى اقتصاد منهك ومؤسسات ضعيفة ووطن مفكك. هذه ليست قراءة عاطفية ولا خطاباً سياسياً حماسياً، بل توصيف مباشر لما عاشه الناس على الأرض: كلما تقدم العسكر إلى سدة الحكم، تراجعت الدولة خطوة جديدة نحو الهاوية. لا تنمية استمرت، ولا حرب توقفت، ولا استقرار تحقق، بل تراكمت كلفة الفشل على حساب المواطن الذي دفع وما يزال يدفع الثمن الأكبر.

والمفارقة التي تكشف عمق الأزمة أن من تمسكوا بالحكم هم أنفسهم من يطلبون من الشعب الاستنفار للدفاع عن بلدٍ لم يتركوا له فيه شيئاً. كيف يطالبون الناس بحماية وطن لم تتم حمايته حين كانت الحماية واجبهم المباشر؟ وكيف يُستنهض المواطن بينما يتنقل القادة بين التجارة والسفر وإدارة العقارات والمصانع؟ لقد أثبتت التجربة أنهم أبعد ما يكونون عن العسكرية المهنية التي تحمي الشعب والدستور، وأقرب ما يكونون إلى نمط السلطة الذي يختلط فيه النفوذ بالمصالح الخاصة.

وحين اندلعت حرب أبريل، خسر الشعب كل شيء في أيام معدودة: المدن، والأمن، والبيوت، والأرواح. كان الناس يواجهون كارثة بلا قيادة، ويبحثون عن حماية بلا مجيب. أما الذين يرفعون اليوم شعارات البطولة ويتحدثون عن صمودٍ لم يحدث، فقد غابوا يوم احتاجهم الوطن، أو اكتفوا بالظهور الإعلامي بينما المواطن يقف وحده في العراء. تصريح العطا ليس سوى امتداد لهذه الازدواجية: كلام مرتفع عن القوة، وغياب كامل عن المسؤولية حين يكون الشعب في قلب العاصفة.

العسكرية الحقيقية ليست في التهديد بالانقلاب ولا في الادعاء بحصرية الحكم، بل في احترام الدستور والخضوع لإرادة الشعب. أما تحويل الجيش إلى منصة سياسية، فهو أصل الخراب الذي أوصل البلاد إلى ما هي عليه اليوم. تصريح العطا ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر على أن العقلية التي عطلت الدولة لعقود لا تزال هي ذاتها: عقلية ترى الشعب تابعاً، والسلطة غنيمة، والدولة مجالاً للصراع لا مؤسسة لخدمة المواطنين.

ومع كل تصريح يكشف هذه الذهنية، تتأكد الحقيقة التي صار يدركها كل السودانيين: لا مستقبل للبلاد ما دامت السلطة محكومة بفكرة الانقلاب كخيار جاهز، وما دام بعض القادة يرفضون الاعتراف بأن الشعب—not الضباط—هو مصدر الشرعية الوحيد.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole