*عبد الواحد محمد نور… من المظلومية إلى اغتصاب الذاكرة*

عبد الواحد محمد نور لم يعد يمثل مأساة دارفور بل يمثل مأزقها الأكبر لأن الرجل الذي خرج من رحم المظلومية حوّلها إلى أداة تسلط رخيصة ولأن من ادّعى مقاومة الدولة انتهى إلى تقليد أسوأ غرائزها وأكثرها انحطاطاً فما فعله في المدارس ليس موقفا سياسياً ولا قراءة نقدية لفشل المركز بل إعلان إفلاس فكري كامل حين اختار أن يبدأ سلطته من أفواه الأطفال لا من برامج العدالة وأن ينتصر على نشيد لا على جريمة وأن ينزل علماً من فوق سارية مدرسة بينما يعجز عن إنزال سكين الظلم من رقبة دارفور عبد الواحد لا يرى في الوطن سوى كيان مزعج يذكّره بأنه ليس أكبر من الجغرافيا ولا يرى في النشيد سوى صوت جماعي يفضح ضيق مشروعه ولذلك قرر أن يستبدل الرمز الجامع بشعار الحركة وأن يستبدل الانتماء العام بولاء أعمى وأن يحوّل المدرسة إلى معسكر صامت لتدجين الوعي منذ الطفولة وهو بذلك لا يختلف قيد أنملة عن كل الطغاة الذين فهموا أن السيطرة الحقيقية لا تبدأ بالبندقية بل بالذاكرة ولا تبدأ بالرصاص بل بالمناهج ولا تبدأ بالقتل المباشر بل بإعادة تعريف الهوية عبد الواحد الذي يتحدث عن كرامة دارفور لم يتردد في إهانة أطفالها حين حرمهم من أبسط حقوقهم الرمزية في وطن لا يملكه هو ولا يملك أحد حق مصادرته عبد الواحد الذي يلعن الدولة صباح مساء أعاد إنتاجها في أسوأ صورها دولة بلا قانون بلا مساءلة بلا عقد اجتماعي دولة قرار الفرد الواحد الذي لا يُسأل ولا يُناقش ولا يُراجع وحين يصل الاستبداد إلى المدرسة فاعلم أن المشروع كله فاسد من جذوره لأن من يخاف من نشيد طفل يخاف من وعي جيل كامل ومن لا يحتمل علم السودان فوق مدرسة لا يمكن أن يحتمل سوداناً حراً متنوعاً عبد الواحد لا يقاتل من أجل وطن بل من أجل صورة زعيم لا يقبل الشراكة ولا يعترف بالآخر ولا يرى في دارفور سوى مسرح دائم لخطابه الطويل الخالي من أي بناء حقيقي هو لم يسقط المركز بل نسخة في جيب ضيق ولم يهزم التهميش بل أعاد توزيعه ولم ينتصر للضحايا بل صادر صوتهم وفي النهاية فإن ما يفعله اليوم ليس سوى تمرين فج على الاستبداد المبكر لأن القائد الذي يبدأ بإلغاء النشيد سينتهي بإلغاء الإنسان والقائد الذي يجرّب سلطته على الأطفال سيفشل حتما حين يُواجه شعباً واعياً دارفور لا تحتاج إلى زعيم صغير يصغّر الوطن لتتسع له بل تحتاج إلى مشروع كبير يتسع للوطن كله أما عبد الواحد فقد اختار الطريق الأسهل طريق السيطرة الرمزية الرخيصة طريق تحويل المظلومية إلى أيديولوجيا مغلقة وطريق تربية جيل بلا نشيد بلا علم بلا ذاكرة مشتركة وهذا ليس تحريراً ولا ثورة بل جريمة كاملة بحق المستقبل وبحق السودان وبحق دارفور نفسها
الخلاصة لا يمكن التعامل مع ما يفعله عبد الواحد محمد نور بوصفه اختلافًا سياسيًا أو اجتهادًا ثوريًا بل يجب تسميته بأسمه الحقيقي إغتصاب للشرعية واعتداء صريح على حق الناس في وطنهم لأن السؤال الذي يطارده ولن ينجو منه مهما طال الخطاب ومهما تعالت الشعارات هو من الذي فوضك ومن منحك هذا الحق ومن أعطاك سلطة أن تقرر بالنيابة عن طفل ما الذي يردده وعن مدرسة ما الذي ترفعه وعن أرض ما الذي تمثله فالأرض لا تصبح سيطرة لأن البندقية مرت فوقها ولا تتحول إلى ملكية خاصة لأن قائدًا قرر ذلك والهوية لا تُصادر بحجة المظلومية ولا تُعاد صياغتها بقرار فوقي لأن من لم يأت عبر الناس لا يملك إلا سلطة مؤقتة عارية ستسقط عند أول سؤال حقيقي وما يحدث اليوم ليس تحريرًا بل تشويهًا لفكرة التحرير وليس ثورة بل تدريب مبكر على الاستبداد لأن القائد الذي يبدأ مشروعه بمنع النشيد سينتهي حتمًا بمنع السؤال والقائد الذي ينزع العلم اليوم لن يتردد غدًا في نزع الحق والكرامة والاختلاف ومن يجرؤ على العبث بوعي الأطفال لا يملك أي رصيد أخلاقي للحديث عن العدالة ولا أي أهلية تاريخية لقيادة مستقبل فالوطن لا يُختصر في حركة ولا يُدار بالمزاج ولا يُختطف باسم الغضب ومن يظن أن السيطرة تمنحه حق تعريف السودان سيكتشف متأخرًا أن الشرعية لا تُنتزع بالقوة وأن التاريخ لا يكتب أسماء من صغّروا الوطن ليكبروا هم بل يكتبهم في الهامش بوصفهم عابري سلطة سقطوا عند أول مواجهة مع سؤال بأي حق

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole