*ظهور حميدتي… الغاية والدلالات ..*
*تفعيل الخطة ب*
*تقسيم السودان ..*
*حيدر التوم خليفة*
قبل عدة اشهر كتبت مقالاً ذكرت فيه أن الآلية الرباعبة ، وُجِدت ليس لتحقيق الحل ، وإنما لتأخيره وتأجيله حتي يحين وقته ، لِيُنجز وفقا لما يخدم الاهداف والمصالح الأمريكية ..
وذكرت في مقال اخر ، ان امريكا ومنذ زيارة الفريق ابراهيم عبود لها في الرابع من اكتوبر ١٩٦١ ، في عهد الرئيس كيندي ، وضعت الخطط لتقسيم السودان ، وهي الخطة التي تم تضمينها ضمن المشروع الأمريكية ١٩٧٠ /٢٠٢٠ لاعادة تقسيم المنطقة العربية ، متجاوزة لاتفاقية سايكس بيكو ، واعلان خارطتها الجغرافية الجديدة ، بما يحقق اهدافها ، ويخدم مصالحها ، وقد شملت الخطة تقسيم العديد من الدول العربية والاسلامية ، من خلال المواجهة التي تديرها القوي الخفية ، تلك المواجهة القائمة بين القوي الصهيوصليبية والاسلام ..
وفي السودان تم تنفيذ المرحلة الاولي بذهاب الجنوب ، بذات القوي ، ونحن الان علي اعتاب نهاية المرحلة الثانية ، والتي ستنتهي بفصل ثلاثة اقاليم ، وهي دارفور وجبال النوبة ، والنيل الازرق ، علماً بأن الحرب الحالية كانت الرافعة التي إستُخدمت لتحقيق هذا الامر ، مثلما استُخدمت حرب الجنوب لذات غرض التقسيم ..
والمُنفِّذ المباشر هو الدعم السريع ، والمتعهد هو دولة الامارات ..
ويخطئ العديد من المحللين بعدم ادراك مرامي واهداف الحرب الحقيقية ، وادوار العديد من الجهات فيها ، خاصة الدور الوظيفي للامارات ، وذلك نتيجة لتحليل فطير وسطحي غير ثاقب لرؤية ما وراء الحدث ، والاشتغال بوكيل مأجور مأمور ، والانحراف عن الفاعل الحقيقي ، او إدراك للمالك الخفي الذي يدير اللعبة ، فالامارات ليست اكثر من بيدق ، ودولة وظيفية تم استخدامها وتوظيفها لأداء هذا الدور ، وفي النهاية سوف تأخذ اتعابها مثل الاخرين ، فهي تنفذ ما تؤمر به من جهات خفية تقف وراء الحرب في السودان رعاية وتخطيطاً وتمويلاً ، وهي جهات ضمن المنظومة الصهيوصليبية ، التي تجمع بين اجهزة الاستخبارات ، وبيوتات المال العالمية والجمعيات الدينية ، وكارتيلات السلاح ، والشركات العابرة للقارات ، والتنظيمات الخفية او خدام لوسيفر ، اي هي كشكول يجمع بين اللاهوت والمصالح ..
ولم تكن من اهداف الحرب في يوم من الايام لدي مخططيها ، التمكين لحميدتي من حكم السودان كله تحت راية الوحدة ، وان كان هذا ما اوهموه به ، ولكن كان غايتها ، اعداد المسرح لتقسيم السودان ، مع إحداث تغييرات ديمغرافية عميقة بين مكونه السكاني ..
وموضوع التقسيم هو الذي جعل المخططين يدفعون بالحلو الي الالتحاق بمشروع الدعم السريع ، ثم اخيراً تفجير الاوضاع في اقليم النيل الازرق ، مترافقاً مع تكوين حكومة مرحلية (ادارة مرحلة تأسيس الدولة ، وهذا إسم الحكومة) ، الغرض منها ادارة حوار التقسيم من مستوي سياسي عالٍ ، اي مستوي حكم موازٍ سياسياً للحكومة المركزية ، حوار بين حكومة وحكومة ، مما يسهل الاعتراف بها وبدولتها الوليدة ، وهو ما دفع مصر الي السعي لعرقلة هذا المخطط ، بدفع القادة الافارقة في اجتماعهم الاخير ، الي تبني قرار مجلس السلم الافريقي الذي ترأسه مصر حالياً ، بعدم الاعتراف بأي مكونات موازية للحكومة المركزية ، وهو قرار يُضعفه استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الافريقي ..
ومن جانب ، نجد ان ارتكاب الفظائع وجراىم الابادة الجماعية ، والطرق الاعلامي الكثيف المتوالي عليها هذه الايام ، هو من ضمن اعداد المسرح لتقبل الحل القادم المطروح ، والمخطط له ان يتم وفق خطة التقسيم ..
ومن جانب إخر فهو يمثل قيودَ سجانٍ علي ايدي مجرمين تم استغلالهم لتنفيذ اعمال ابادة جماعية قذرة ، ضمن خطة شاملة جاري تنفيذها ، وسوف تستخدم تهم وحيثيات هذه الجرائم إضافة الي العقوبات التي طالت العديد من قيادات الدعم السريع ، لتحقيق هدفين ، الاول هو إضعاف هيمنة القبائل العربية علي الدولة الوليدة ، بحجة ارتكابهم لجرائم تطهير عرقي تم توثيقها عالمياً ، خاصة في الفاشر والجنينة ، والهدف الثاني هو إضعاف خصوم حميدتي او اي منافسين له ، قد يمثلون تهديداً لسلطته في مرحلة انشاء الدولة ، لان هذا سوف يؤثر علي خططهم سلباً ..
وواضح ان الخطة الاصلية هدفت الي ان يترافق التقسيم مع اكبر عملية إحلال سكاني عرقي لسكان الوسط والشمال ، مع تفريغ للوجود العربي وتقليصه من امتداداته في دول وسط الغرب الافريقي ، عبر دفعه للهجرة الي السودان ، والتمكين له اقتصادياً ، بحكم انه عنصر وافد يسهل التحكم فيه لاحقاِ ..
وهذا يتطلب إزاحة سكان دارفور الي الوسط ، مع ابادة بعض المكونات غير المرغوب فيها من اجل الارض ، وعلى رأسهم الزغاوة والمساليت ، مع تهجير سكان الوسط داخلياً ، وتشتيتهم في المنافي الخارجية ، او ابادة الجزء الاكبر منهم (راجع تسجيلات وكتابات الجبوري والكجنكي والربيع والتي كانت وما زالت تبشر وتدعو لمشروع ابادة قبائل الشمال والوسط الاصلية) ..
وضمن ذات التفكير الذي ينتهجه بعض المحللين ، فقد ظن البعض انه قد حان الوقت للامارات لحرق حميدتي كورقة سياسية ، او التخلص منه ، ولكن هذا خطأ ، فقد كان حميدتي مُدَخراً طيلة الفترة الماضية من اجل هذه اللحظة ، لهذا لن يتم التخلص منه الا بعد التقسيم وإرساء الدولة الجديدة ، فعندها فقط يمكنهم التخلص منه اذا إحتاجوا الي ذلك ، بوصفه خطراً عليهم بما يحمله من معلومات ، وبما يمثله من ماضي إجرامي يجب تغييبه ، فهم لا يخشون الحاضر ، ولكنهم يخشون محاكمة التاريخ ..
وبمجرد ظهوره بدات عملية غسيل الامارات من جرائمها ، وتنظيف سجلها الاسود في مجال حقوق الانسان ، ومحاولة إسقاط المسئولية الجنائية عنها وتبرئتها ، ففي الامس كان اعتراف حميدتي أنه من قام بتوظيف مرتزقة اجانب في جيشه ، ولا شئ يمنعه من ذلك فهو في حالة حرب ، في محاولة منه لدفع الاتهام عن الامارات وتبرئتها ، وحمّله وحده للقرار وتداعياته ، خاصة وان الدور الاماراتي في خواتيمه ، وسوف تعمل الامارات علي الانسحاب من ملف الدعم السريع ، بمجرد الشروع في تنفيذ التقسيم (الخطة ب) ، وهذا يفسر التناغم بين الخطوة القادمة ، وبين تصريح البرهان عن استبعاد الامارات من اي حل قادم ، كأنه بلع الطعم ، وفتح لها باب السلامة لتترك المسرح بعد ان ادت دورها ، فاسحة المجال امام لاعبين جدد للاطلاع بتنفيذ مهام الخطة (ب) وهي الخطة الرئيسية ..
لقد انتهت الخطة( أ) باحتلال قوات حميدتي لدارفور وولاية غرب كردفان ، وقيام حكومة تأسيس ، اي إنجاز حدود وشكل الدولة (مرحلة التأسيس علي الارض) ، وتليها مرحلة الاعتراف بالدولة …
وما دفعهم للتحرك الي الخطة (ب) هو تحقيق الجيش لانتصارات كبري ، وتهديده لمشروعهم ، وإعلانه سعيه لاستعادة دارفور وشروعه في ذلك ، وطرده لقوات الحلو من كردفان بعد نجاحه في فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج ، وتهديده لكاودا ، وهزيمة قوات الدعم السريع في جنوب النيل الازرق ، وكل ذلك تم بعد الدعم العسكري الكبير من دول مصر والسعوديه وتركيا ، والذي خلق واقعاً ميدانياً جديداً ، واذا استمر بنفس نجاحاته الحالية سوف يطيح بمشروعهم ، وتضيع معه جهود سنوات، وهنا بدأ تفعيل الخطة (ب) ، للوصول الي الهدف النهائي وهو تقسيم السودان . بعد ان تم تجميد الحل وحبسه ضمن إطار الالية الرباعية لفترة كانت كافية لانضاج بعض مكونات الطبخة ، والتي كانت امريكا تمثل دور الشيف الخفي فيها ..
وقد اتضح كما ذكرت ان امريكا لا تريد حلاً وفق ما تطرحه في العلن عبر الرباعية ، ولكنها تسعي لتحقيق حلٍ بما يخدم اهدافها وخططها ، لانهم لو ارادوا تحقيق الحل لفعلوا منذ وقت سابق بعيد ، فمكالمة واحدة من سيد البيت الابيض اياً كان ، لمحمد بن زايد كفيلة بايقاف الحرب تماماً ..
وكان ظهور حميدتي الاخير وهو في لبسه الافريقي ، مهاجماً للسعودية ، والتي تعتبر حالياً رائدة العرب والمسلمين ، مبشراً بالعلمانية ، مهاجماً الاسلاميين ، في رسالة تحمل إشارات مهمة للغرب وللدول الافريقية ، مؤكداً لاتباعه انه تام الايمان ، صحيح الدين ، ومعافي في جسده ، وليس روبوتاً كما يُشاع ، اي انه أهلُُ لقيادة المرحلة المقبلة ، منتقداً لاستقلال الدولة ، والذي قصد منه انه كان يجب ان يكون استقلال دول متعددة وليست دولة واحدة ، رافضاً للرباعية والتي تتكون من ثلاث دول عربية ، إضافة الي الدولة صاحبة مشروع الحرب ، متوجهاً الي محيطه الافريقي ، رغماً عن عرقيته العربية ، معلناً في خطاب تعبوي بداية مرحلة جديدة ، يفهم منها التخلي عن هدفها الأول ، وهو حكم كل السودان ، بعد إعلانه ضمنياً ان قواته قد تخسر الحرب مع وجود المسيرات الحديثة ، بعد ان خسرتها في الخرطوم فعلاً ، لهذا فالاتجاه نحو التقسيم هو الاوفر حظاً ..
إن ظهوره الان يحمل دلالات كبيرة اضافة الي ما سبق ، فهو اعلان بعودته الي قيادة المعركة ، بعقلية السياسي ، وليس بعقلية العسكري ، بعد ان نعي الجهود العسكرية والتي بدأت تتآكل وتعصف بها الخلافات القبلية ، حتي وصلت مكونه الرئيسي بتداعيات خلاف الماهرية والمحاميد ، وحالات التداعي والانسلاخات اليومية من الدعم ، وضعف المدد الخارجي وقصف طرقه ، مما ادي الي فشله في تحقيق الخطة (أ) بحكمه كل السودان.، والتي لم تكن هدفاً في ذاتها لدي المخططين له ، وإنما خطوة نحو الخطة (ب) الرامية الي تقسيم السودان ..
لهذا ظهر حميدتي في اوغندا التي تحتضن وجودا سياسياً سودانياً كبيراً ، مُدشناِ لمعركته السياسية القادمة الرامية الي فصل دارفور ، رافضا لاي دور عربي عبر رفضه للرباعية كما قلت ، وانه يسعي الي حل داخل اطاره الافريقي ، ويسعي الي كسب الدعم الافريقي لاعلان دولته الجديدة ضمن الحل السياسي ، لان البديل هو الرجوع الي الحرب ، وقد رأي العالم ويلاتها وفظائعها ، بعد ان نفي حميدتي عن قواته هذه الجرائم والتجاوزات ، وبرأها منها ، وألصقها بمجموعات من الشفشافة اي النهابين وعصابات قطاع الطرق من بعض الجماعات القبلية المتفلتة ، والتي وعد بمحاربتها ..
انه بداية التحرك السياسي لحميدتي ، بعد ان انتهي الاخ الاكبر عبدالرحيم من تنفيذ الدور القذر ، المحصور في الكسب العسكري للدولة الوليدة وتأكيد حدودها ، لقد ظهر حميدتي لقيادة مرحلة الاعتراف بالدولة سياسياً ، بعد ان انتهت مرحلة تأسيس الدولة جغرافياً ..
ودولة حميدتي قطعت شوطاً بعيداَ في الترسيخ لوجودها ، عبر اعلانها انشاء بنك خاص بها ، ومنع تداول العملة السودانية ، وربط اقتصادها بعملة جنوب السودان وذلك وضع سوف يستمر حتي طباعة عملتها الجديدة ، هذا إضافة الي خطواتها العملية في إقامة امتحانات لطلاب الشهادة الثانوية ، بمعزل عن الشهادة السودانية ، لتأكيد هوية الدولة التعليمية ، خاصة وانها تمتلك عدة جامعات مؤسسة جيداً ..
وقد انتقد حمبدتي الاداء الاداري للدولة ، نتيجة لترسخ روح القبلية والجهوية ، لهذا نجد ان الاذلال المتوالي للنظار والعمد ، هو فعل متعمد يحمل رسالة قامعة مفادها ان الدولة القادمة لا تعترف الا بسلطة الدولة ، التي لا تعلوها سلطة ، وان الدولة هي الاساس ، وفوق القبيلة ، وهي دولة بنيت بتضحيات مئات الالاف من المؤمنين بها …
ومن جانب إخر ، نجد أن سيناريو التقسيم هذا تعلمه مصر جيداً ، وربما وافقت عليه في حدود فصل دارفور وجبال النوبة ، ولكنها تعارض بشدة استقلال اقليم النيل الازرق ، لارتباطه وتأثيره المباشر علي أمنها المائي ، لهذا أكثر مسؤولوها من التصريح بان وحدة السودان خط احمر ، مع علمهم جيداً انه كان بامكانهم تدارك هذا الموقف الذي آلت اليه الامور ، وذلك عبر تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك ، والتي لم يلتفتوا اليها الا بعد ان ازدادت مخاطر ودلائل تقسيم السودان بما فيه اقليم النيل الازرق ، بل صار امراً واقعاً ..
وهنا لا استطيع ان انفي او أؤكد موافقة البرهان على هذا المخطط ، وان كنت أميل الي علمه به ، وعدم ممانعته ، واتمني ان لا يعارضه اذا تم تطبيقه واصبح واقعاً ، لأنني لا اعتبره تقسيماً ، بل اعتبره تصحيحاً للاوضاع ، وتصويباً لاخطاء المستعمر ، وتصالحاً مع التاريخ ..
ورفض البرهان له سوف يفتح علي البلد ابواب جهنم ، اذ سوف تعود الحرب اكثر ضراوة ، بعد ان يلعب اصحاب المشروع علي المكشوف ، ويمدون الدعم بكل محظور من الاسلحة ، خاصة وانهم استثمروا الكثير من المال والوقت ، وقد حان ميعاد سداد الدين وحصاد الغلة ..
إن واحدة من مشاكل السودان اليوم ، هو تصرف العسكريين الاحادي ، وإنفرادهم بحكم البلاد ، فما زال البرهان يضع البلد في جيبه كانها إرث ابوي ، يقرر لوحده فيها ، وكل همه كيف يظل علي سدة الحكم رئيسا مدي الحياة ..
ختاماً ، مخطى من يظن ان حميدتي قد تم تغييبه طيلة الفترة الماضية لمرض او علة اصابته ، ولكن لان المرحلة السابقة لم تكن مرحلته ، وأن أوانه فد أزف ، فالثورة تحتاج الي ايقونة ، والدولة الجديدة تحتاج الي رمز مقبول من الجميع ، ملتف حوله ..
لهذا سوف يبدأ نشاطه بتصفبر الخلافات المجتمعية مع الرموز القبلية من غير إنكسار ، واولها مع هلال ..
وسوف يعمل الذين يوظفونه علي تقديمه ككاسترو اي كثائر وطني اخر ، او ازهري محقق الاستقلال ، ومؤسس الدولة الجديدة ، والتي إستبقت الاحداث وسمت حكومتها باسم تأسيس ، فهل ما هو قائم يحتاج الي تأسيس ، ام الجديد من يحتاج الي تأسيس ..؟
*ظهور حميدتي يمثل إعلان تأسيس الدولة سياسياً* ، وهذا ما سوف نشهده في الايام القادمة ..
*حيدر التوم خليفة*
السودان ٢٢ فبراير ٢٠٢٦




