طالعتُ كما طالع الكثيرون مقال الزميل عبد الباقي جبارة الأخير بعنوان “اقبضوا وزارة التعليم العالي كمان الوزير !”، وهو المقال الذي جاء محاولاً “ترميم” ما تهدم من مزاعم في المقال “التحقيقي” للزميل د. زهير السراج حول ما سُمي بـ”سلخانة الشهادات”. ولأن الكلمة أمانة، ولأن “الأمن القومي الأكاديمي” لا يحتمل المزايدات العاطفية، كان لزاماً علينا تفكيك هذا الخطاب بمشرط الحقائق الدامغة لا بفقه ـ”فزع الحروف” الشبيه بفزع الجماعة إياهم؛ وهذه هي التفاصيل:
1. مغالطة “فقه السترة” والتفاف المنطق:
يرمي الزميل جبارة وزارة التعليم العالي بتهمة “فقه السترة” لأنها فندت المزاعم المحيطة بمدير قبولها الأسبق الأستاذ علي الشيخ محمد السماني. وهنا يقع الكاتب في خلط عجيب؛ فالدفاع عن السيد “علي الشيخ” في هذا السياق ليس دفاعاً عن شخص، بل هو دفاع عن “نزاهة الوثيقة الحكومية”؛ فحين يثبت بالدليل القاطع (تأشيرة وسجلات هجرة) أن المسؤول كان خارج القطر في التاريخ المزعوم لتوقيعه على مزاعم “تفويض الشركات”، فإننا لسنا أمام قضية “سترة”، بل أمام “شبهة تزوير واضحة” تم استخدامها عمدا لتضليل الرأي العام، والصمت عن تزوير ختم الدولة هو جريمة مكتملة الأركان، وكشفه هو ذروة الشفافية لا السترة.
2. عقدة التواريخ.. الهروب إلى 2022:
حين حاصرت الحقائق الجغرافية والزمنية رواية “خطاب ديسمبر 2023م” المزور، حاول الزميل عبد الباقي القفز إلى العام 2022م. وهذا تكتيك مكشوف؛ فإذا سقط “المستند النجم” الذي قامت عليه القضية، سقطت معه كل ما تلى ذلك من استنتاجات، ولذا فالتحدي القائم الآن ليس في إطلاق الاتهامات المرسلة على عواهنها، بل في إبراز “تفويض واحد” حقيقي صحيح وموثق صادر عن الوزارة يشرعن عمل تلك الشركات في الموضوع المذكور، وهو ما عجز عنه “التحقيق” ومدافعوه حتى الآن.
3. استهداف الوزير أحمد مضوي وقرار البروفيسور دهب:
يتساءل الكاتب عن دور الوزير الحالي، البروفيسور أحمد مضوي، ويطالب بالقبض عليه في شطحة قلم تفتقر لأدنى معايير الإنصاف، متجاهلاً عمداً أن السياسة المؤسسية للوزارة هي عملية تراكمية؛ فقرار حسم الجدل صدر بتوقيع الوزير السابق البروفيسور محمد حسن دهب في 18 فبراير 2025م، والذي حظر فيه صراحةً أي تعامل مع شركات خاصة وحصر التوثيق في إدارة القبول (مرفق صورة). أما البروفيسور أحمد مضوي موسى فهو يقود الآن وزارة ومؤسسة استردت كامل سلطاتها السيادية بقرارات سلفه، وما متابعة ملفات التحقيق الحالية والسعي لتفنيدها واقعا وملاحقة نافخي كيرها قانونيا إلا تأكيد على “دولة المؤسسات” التي يتباكى عليها الكاتب بينما يحاول هدمها.
4. أرقام تُخرس الألسنة:
تحدث الزميل الفاضل عن “أموال كان يمكن أن تُورد للخزينة”، ونحن نسأله: أين هي هذه الأموال والوزارة أعلنت رسمياً عن إنجاز (6509) معاملة تأكيد صحة شهادة عبر السفارات والقنصليات بالمجان تماماً؟ ( مرفق صورة أيضا) ، ومعلوم للكافة إن التحول الرقمي الذي تقوده الوزارة حالياً هو “ثورة إدارية” سحبت البساط من تحت أقدام السماسرة، وهذه الأرقام الموثقة هي الحقيقة التي جعلت من “التقويم السوداني” مرجعية دولية، وهو جهد يُحسب للوزارة لا عليها.
5. تقرير بروفيسور علي رباح.. شهادة “للمؤسسة” لا عليها:
إن استشهاد الكاتب بتقرير بروفيسور علي رباح أمين الشؤون العلمية السابق بجامعة الخرطوم، والموجود حاليا في نيوزيلندة، هو أكبر دليل على أن الوزارة هي من تبادر بالتحقيق؛ فهذه التقارير واللجان (بما فيها لجنة بروفيسور عوض حاج علي) هي نتاج حراك داخلي لتصحيح المسار وتعديل العوج الذي لا يخلو منه عمل بشري، وليست نتاج “ضغط صحفي” استند إلى وثائق مصطنعة يعجز المروجون لها عن إبراز نسخة يعتمد عليها، وسيضرون لابرازها بعد أن يقف الجميع أمام ساحة القضاء العادل، وعندها سيعرف الغث من السمين، والوزارة التي تشكل لجان التحقيق بنفسها يجب أن تجد الإشادة باعتبارها وزارة تواجه الفساد بآلياتها القانونية، لا وزارة تمارس “فقه السترة”.
ختاماً:
إن الإعلام الذي يحمل مشعل الإصلاح والتنوير يجب أن يملك الشجاعة للاعتذار في ذات المكان حين يُكتشف أن مصادره أوقعته في فخ “المستندات المزورة”، وأنه لوى عنق الحقائق، وهذه شجاعة تحسب له لا عليه، وأهل الإعلام دائما ما يشيدون بالمسؤول الذي يعتذر أو يقدم استقالته نتيجة خطأ ما، فماذا نأمر الآخرين ونتوارى عندما تدور علينا الدوائر.
علمت أن الوزارة شرعت في الملاحقة القانونية لكل من له صلة بالموضوع، وهو حق طبيعي مكفول لكل متضرر من التناول الإعلامي السالب، ولا يعني توزيع الاتهامات بالمجان، بل هو طريق تكفله القوانين والدساتير، وقانون الصحافة على وجه الخصوص، وهو سبيل يلجأ إليه الجميع لاستعادة هيبة المؤسسات ونصاعة سيرتها، وسيكون القضاء السوداني النزيه هو الفيصل وصاحب الكلمة الأخيرة، بلا “فزع” ولا جزع.




