*تاركو للطيران… أجنحة الأمل للسودانيين القاهرة: رندة المعتصم أوشي*

مع اندلاع الحرب، تتوقف أشياء كثيرة، تغلق المطارات، وتتراجع الخدمات، وتغادر الشركات، ويصبح الوصول إلى الوطن أو الخروج منه حلما بالغ الصعوبة. لكن وسط هذا المشهد القاسي، برزت تاركو للطيران كواحدة من المؤسسات الوطنية التي اختارت أن تبقى، وأن تواصل التحليق رغم العواصف.
من السهل أن ينتقد الناس ارتفاع أسعار التذاكر أو ضغط الرحلات أو تأخر الأمتعة، لكن من الإنصاف أيضا أن ننظر إلى الصورة كاملة. فوجود الخدمة في ظروف استثنائية أفضل بكثير من غيابها الكامل، واستمرار شركة وطنية في العمل وسط الحرب ليس أمرا عاديا، بل موقف يحسب لها بكل تقدير.
لقد فقدت تاركو عددا من طائراتها داخل مطار الخرطوم مع اندلاع الحرب، وهو ظرف كان كفيلا بإيقاف أي شركة عن العمل، لكنها لم تستسلم، بل أعادت ترتيب صفوفها، وعملت على تعزيز أسطولها الجوي وفتح خطوط جديدة إلى مدن سودانية مثل دنقلا وكسلا وغيرها، لتصبح جسرا يربط السودانيين بأهلهم وأعمالهم واحتياجاتهم الإنسانية.
ولم يكن دور تاركو مقتصرا على نقل المسافرين فقط، بل امتد إلى أدوار إنسانية ومجتمعية عظيمة. فقد ساهمت في نقل الأدوية والمستلزمات الطبية الخاصة بمكافحة حمى الضنك والملاريا والكوليرا، كما شاركت، عبر شركتها الشقيقة “تاركو البحرية”، في نقل المساعدات الإنسانية ودعم التكايا، في وقت كان فيه الوطن في أمس الحاجة لكل يد تمتد بالعون.
كما كان للشركة حضور لافت في دعم الثقافة السودانية عبر المساهمة في طباعة دواوين الشعراء، إلى جانب دورها المهم في نقل الحجاج السودانيين إلى الأراضي المقدسة، حتى أصبحت واحدة من أبرز شركات الطيران التي يعتمد عليها السفراء والعاملون الأجانب داخل السودان.
وخلال الأيام الماضية، تداول البعض مقاطع فيديو تعبر عن استياء بسبب تأخر الأمتعة وبعض الشحنات، وهي مشكلات تحدث حتى في أكبر شركات الطيران العالمية، خاصة في مواسم الضغط التشغيلي والأعياد. غير أن ما يحسب لتاركو هو شفافيتها وسرعة توضيحها للأمر، وتأكيدها العمل المستمر لمعالجة الحالات العالقة وتسليم الأمتعة للمسافرين.
إن النقد حق مشروع، والمطالبة بتحسين الخدمات أمر طبيعي، لكن هناك فرقا كبيرا بين النقد المسؤول وبين الإساءة أو إطلاق عبارات جارحة لا تليق بمؤسسة وطنية تعمل وسط ظروف بالغة التعقيد. فالشركات الوطنية التي تصمد في أوقات الأزمات تستحق الدعم والتقدير، لأنها لا تنقل الناس فقط، بل تنقل معهم الأمل، وتؤكد أن الحياة ما زالت ممكنة رغم الحرب.
شكرا لتاركو للطيران…
لأنها لم تتخل عن السودانيين حين أغلقت السماء أبوابها،
ولأنها جعلت السفر ممكنا في زمن كانت فيه الطرق كلها مؤلمة.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole