يمثل البيان الصادر عن وزارة الطاقة قراءة شفافة وكاشفة لمنعطف تاريخي بالغ التعقيد يمر به قطاع الكهرباء في بلادنا؛ قطاع لم تكتفِ الحرب بنهب موارده، بل طالته يد الاستهداف الممنهج والتخريب المباشر لبنيته التحتية من محطات توليد وشبكات نقل ومراكز تحكم حيوية.
أن تضعنا الوزارة أمام الحقائق الفنية الصادمة هو خطوة أولى نحو الحل؛ فالتراجع الحاد وغير المسبوق في التوليد الحراري وضع العبء كاملاً على التوليد المائي، ليتزامن هذا الضغط مع ذروة الأحمال الصيفية اللاهبة. هذا التوصيف يضع الجميع — مسؤولين ومواطنين — أمام واقع يتطلب حلولاً استثنائية توازي حجم التحدي.
ومع ذلك، فإن روح الإصرار والتحدي تبرز من بين ثنايا هذا الواقع المعقد؛ فالفرق الفنية والهندسية تسابق الزمن في غرف التحكم ومحطات الإنتاج. والجهود المبذولة لتسريع الصيانة في محطتي “أم دباكر” و”مجمع قري”، والتخطيط لإدخال وحدات جديدة في “قري 1 وقري 4” إلى الخدمة قريباً، تعكس إرادة صلبة لتقليص ساعات القطوعات وتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين بشكل تدريجي ومدروس.
إن التوجه نحو تحفيز التصنيع المحلي لمعالجة أزمة العدادات ومحولات التوزيع، بالتوازي مع التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية، يمثل رؤية استراتيجية تتجاوز المسكنات المؤقتة لتضع لبنات حقيقية لقطاع طاقة مرن ومستدام، يعتمد على حلول من قاع البيئة المحلية والربط الإقليمي مع الدول الصديقة.
مطب الطريق:
الأولوية الحالية والمطلقة هي تأمين الإمداد للمرافق الحيوية؛ فلا يمكن أن تتوقف المستشفيات، أو تجف محطات المياه، أو تتعطل المؤسسات الخدمية والتعليمية. ولتأمين هذه الأولويات، يصبح “ترشيد الاستهلاك” ومحاربة التعديات والتوصيلات غير القانونية معركة وعي وطني لا تقل أهمية عن معركة الصيانة والإعمار؛ فاستقرار الشبكة القومية اليوم هو مسؤولية تضامنية، والعبور بالبلاد من هذه المرحلة الاستثنائية يتطلب تلاحم السواعد الفنية مع وعي المواطن الحاد والمبادر.




