*محمد علي الحِبيِّب: شاعر يسكنه العشق ويستنزفه الحنين “لاهَيت من زمان يا أماني … لامن صوتي راح وانبحّ” أحمد إبراهيم أبوشوك*

مدخل تمهيدي
الشاعر محمد علي الحِبيِّب من أبناء قرية أوسلي الفضلاء، جمعتنا سنوات الدراسة بمدرسة كورتي الثانوية للبنين (1979-1982)، ووقتها لم تتفتق مواهبه الشعرية بكثافة السنوات اللاحقة، التي وضعت الحِبيِّب في مصافي الشعراء المتميزين. ويُعزى ذلك لعطائه الأدبي المتفرد في إثراء النص الغنائي بلغة وجدانية تجمع بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، مستندًا إلى بيئة ثقافية ملهمة، انعكست في توظيفه لمفردات اللهجة المحلية وصور الطبيعة وجماليات التراث الشعبي. وتتسم تجربة الحِبيِّب الشعرية بنزعة عاطفية دافقة، يحتل الحب والحنين فيها موقعًا مركزيًا، إلى جانب قابلية نصوصه للتلحين والغناء بفضل بنيتها الإيقاعية المرنة واعتمادها على التكرار والتنغيم. كما تتدثر أشعاره بقيم روحية تضفي على نصوصه الغنائية بعدًا صوفيًا جاذبًا. وبهذا يُمثّل الحِبيِّب نموذجًا للشاعر المبدع الذي يزاوج بين الأصالة والتجديد، ويسهم في تطوير بنية أغنية الطمبور الحديثة مع الحفاظ على صلتها بالوجدان الجمعي والتراث الشفاهي لأهلنا الطيبين نواحي السافل. ومن الشواهد الدالة على ذلك مجموعة “العابرات”، التي بلغت خمسين عابرة؛ وأضحت تُعدّ من النصوص الغنائية اللافتة في تجربة الشاعر الحِبيِّب؛ لإنها تقدم نموذجًا من الغزل الوجداني العابر لمراحل الشاعر العمرية المختلفة. وتستند كل عابرة منها إلى فكرة وجدانية محورية، مفادها أن العواطف العميقة التي لا تنطفئ بمرور الزمن، بل تزداد رسوخًا، ولا سيما تجاه الحبيب الأول (لاهَيت من زمان يا أماني). وهنا تتجلى ثنائية الثبات والعبور، التي يمثل طرفها الأول قلب الشاعر العنيد والصابر، الذي آثر الثبات على عشق “أماني الرمزي”، إن بعدت المساحات وتبدلت المشاعر عند الطرف الآخر. وقد امتد هذا الوجدان العاطفي عبر ثلاثة عقود وأكثر دون أن يخبو وجد الشاعر العاطفي، مما أضفاء على عابرات الحِبيِّب بعدًا زمنيًا عميقًا، يؤكد بأن الحب يمكن أن تمتد تجربته أبد الدهر، وليست بالضرورة أن تكون مجرد لحظة هوًى عابرة.

لاهَيت من زمان يا أماني … لامن صوتي راح وانبحّ
استوقفتني من العابرات كثيرًا العابرة رقم (30)، فهي قصيدة غزلية بالغة الرمزية والجمال، تنتمي إلى فضاء وجداني عميق، حيث يتداخل فيها الحنين، والوجد، والتصوّف العاطفي في نسيج شعري يتجاوز التعبير عن الحب بوصفه علاقة بشرية، ليغدو حالة وجودية شاملة ومسيطرة. إذ يفتتح الشاعر الحِبيِّب هذه العابرة بنبرة شكوى: “لاهَيت من زمان يا أماني … لامن صوتي راح وانبحّ”، مؤكدًا بذلك أن الحنين ليس مجرد شوق عابر، بل استنزاف داخلي يصل حدّ فقدان الصوت واستهلاك أدوات التعبير نفسها. ثم يعمّق هذا الإحساس بقوله: “في آخر المطاف خشّاني … داءاً ما بيطيق الجرحة”، لأن مناسيب عشقه قد بلغت مرحلة لا تحتمل الجرح ولا الشفاء، بل ستظل أسيرة الألم والمعاناة. وهنا يستدعي الحِبيِّب الزمان شاهدًا على ثبات عاطفته التي لا تتبدل : “ديل اسّع تلاتين عابرة .. و لليلي الشِعر ما شحّ”، جازمًا بأن طول الزمن لم يطفئ نار عشقه المتقدة، بل زادها توهجًا، يكشف عن حب متجذّر في ذاته، يتحدى الفناء والزمن، وبذلك يتحول إلى وسيلة مقاومة، تنتج من المعاناة إبداعاً ومن الألم جمالًا.
ويؤكد الحِبيِّب بذلك أن الحب غريزة أصيلة لا تقاوم، بل لها القدرة على تجاوز القيود الاجتماعية والعقلية، حينما شبه ذلك بشوق “البعير للزيفة، يترُك لي الرسن في السرحة”. لعمري أنه تشبيه بليغ، لا يدرك كنهه إلا الراسخون في بيئة الأبل نفسها وأشواقها إلى موسم الخريف والزيفة، حيث تحلل من قيود المكان والزمان والإنسان التي فرضتها عليها ظروف المحل والجفاف. وبذلك يصبح شوق الحِبيِّب إلى المحبوبة خارج أطر المعاجم الحضرية التجريدية، بل مستنبط من جماليات الطبيعة والرعي والحركة الموسمية. والبيئة في هذا المقال ليست مجرد زينة لغوية، وإنما ترسيخ لقيم محلية يحملها النص بين جوانحه، عاكسًا تعلق الشاعر بتقاليد الواقع المحلي، التي تتجسد في النيل أحياناً وأصوات التربلة أحياناً أُخر.

دُنياي خدَّرت وديانا… بي بركة أبوي والسبحة
ظلّ الحِبيِّب، في لحظات ابتلاءاته الكبرى، يستنجد بمرجعياته الصوفية، مستمدًّا منها سكينة الروح وطمأنينة القلب، إذ يقول: “دُنياي خدَّرت وديانا… بي بركة أبوي والسبحة”***”وما دام الأمور عند سيدنا… مالنا على الخلوق يا سمحة؟!”. وفي هذه المقاطع، التي تسبح بين أمواج التصوف الوجدانية، يرتقي شاعر “العابرات” بالحب من حدوده العاطفية الضيقة إلى أفق روحي رحب، مانحًا لتوسلاته الوجدانية بُعدًا يتجاوز الغزل الحسي إلى فضاء الغزل المروحن، المستمد من قيم التسليم والبركة والهداية. ومن هذا المنظور، يغدو العشق السرمدي عنده ليس مجرد انجذاب بشري عابر، بل تجلٍّ من تجليات الفيض الإلهي، تنساب فيه الأشعار بوصفها إلهامًا ربانيًا لا نزوة دنيوية، ويؤكد ذلك قوله: “عابرة معاها الله هداني… نفسي على الطريق منفتحة*** أشعار من فتح ربّاني… ما شيطان عليّ ألحّ”. وهكذا تتداخل عند شاعر العابرات حدود العاطفة والروح، ليصبح الحب طريقًا للصفاء، ومسارًا للهداية، وتجربةً تتجاوز الفناء الإنساني إلى أفق البقاء الروحي.

ما يهمك كلام عُزّالنا… ما دامت النفوس منشرحة
لا يترك العواذل للشاعر فسحته الوجدانية خالصة، بل يسعون إلى تقويم سلوكه وفق معايير القيم المتعارف عليها في إطار واقعهم المحلي. وهنا يواجه الحِبيِّب هذا التدخل بنبرة هادئة تنطوي على قدر من التمرّد الرقيق، مخاطبًا محبوبته: “ما يهمك كلام عُزّالنا… ما دامت النفوس منشرحة”؛ بهذا التمرد الرقيق يجعل من الانشراح الداخلي معيارًا كافيًا للشرعية، متجاوزًا رقابة المجتمع إلى يقين القلب. وفي هذا المنعطف تتسامى مقاومته الصامتة، التي ترفض الامتثال القسري لتقاليد البيئة المحلية، وتنتصر لحرية الوجدان. ثم يمضي في تبرير هذا الانحياز لعالمه الخاص، مستندًا إلى جمال “أماني”، الذي يتعالى على كل وصف أو حصر في غزل الحسان، فيقول:

“نفسي على العوازل صابرة… كل زول يجيك بي صفحة
يحفظك الكريم يا عابرة… يرعاك في غداك والروحة
من دون الحسان يا أماني… لا في لهجة لا بالفصحى
ما طالت محاسنك أغاني… وما حصرت جمالك لوحة”

وبهذه الكيفية يغدو الجمال في عالم شاعر العابرات الوجداني حقيقة متجاوزة للغة والصورة، لا تُحيط بها الكلمات ولا تستوعبها الألحان، ليبقى الحب فضاءً حرًّا، تتلاشى عند حدوده أصوات العذّال، وتعلو فيه نبرة الصفاء الوجداني.

النصري جسر العبور بين الخاص والعام
أسهم الفنان المبدع محمد النصري في نقل قصيدة (لاهَيت من زمان يا أماني) من دفئها الحميمي، حيث وُلدت في حضن التجربة الخاصة للشاعر محمد علي الحبِيِّب، إلى فضاءٍ جماعي رحب، عبر لحنٍ طروبٍ، وصوتٍ شجيٍّ يفيض عاطفة، وترافقه أنغام طمبور آسرة، تلامس وجدان المستمعين وتشنف آذانهم. وبذلك استطاع النصري أن يمنح عابرة الحِبيِّب حياةً أخرى، لا بوصفها نصًا مقروءًا فحسب، بل تجربةً مُعاشة تُتداول في الذاكرة السمعية والوجدانية معًا. ومن خلال أدائه المتدفّق، تحوّلت آهـات الحِبيِّب المكتومة إلى نداءٍ مشترك، يجد فيه كل مستمع صدىً لتجربته الوجدانية الخاصة، فتتقاطع الذوات في فضاءٍ عاطفي واحد، وتتشابك الحكايات الفردية عبر قواسم الشوق والحنين التي تنبض بها أبيات “لاهَيت من زمان يا أماني”، لتغدو الأغنية جسرًا بين الخاص والعام، وبين التجربة الفردية والوجدان الجمعي.

خلاصة
تُفضي هذه القصيدة إلى حقيقة عميقة، مؤداها أنّ “العابرات” ليست ومضات غزل عابرة، بل سيرة وجدانية لعاشق طويل الصبر، تتعانق في نسيجها ثنائيات الألم واللذّة، والثبات والعبور، والعاطفة والتديّن، كما تتكشّف فيها مفردات اللغة العامية بحمولاتها التراثية والفصحى بجرسها المعياري، وهي تلامس عجزها الجميل أمام فيض الشعور المتدفق. إنها “عابرة” تُشي بإن الحب، حين يبلغ مداه الأقصى، لا يظل علاقةً بين اثنين، بل يتحوّل إلى قدرٍ يُعاش، وإيمانٍ تسكن إليه الروح، حتى وإن أثقل الجسد وأضناه. ولك، يا زميل الدراسة في سنوات كورتي الثانوية، محمد علي الحِبيِّب، تحيةٌ تليق بهذا الوجدان المضيء، وتحايا طيبات موصولة إلى رفاق تلك المرحلة وكل الذين عايشوها عن كثب، حيث البدايات الأولى التي كانت تبشّر بكل هذا الامتلاء الشعري وهذا الألق الجميل.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole