*عودة الأبالسة.. جامعة الخرطوم نموذجاً (1-2) بقلم: محمد الحسن أحمد*

​كانت جامعة الخرطوم “جميلة مستحيلة” ترفل في ثياب الوقار ضمن القائمة القصيرة لأفضل الجامعات في المنطقة، وتضارع مثيلاتها في العالم بطلابها النوابغ وأبحاثها القيمة المُحكمة. حتى إذا ما حلّ ليل انقلاب الحركة الإسلامية في العام 1989، توارت الجامعة عن مؤشرات التصنيف، وتراجع اسمها إلى ما بعد المركز 1200 عالمياً، بل وأضحت ساحة للجريمة شهدت مقتل أول طالبة في سوحها على يد المتطرفين.
​وشأنها شأن مرتكزات السودان العريقة، كالسكك الحديدية ومشروع الجزيرة، حاول “الكيزان” بجهدٍ إجرامي محو آثار تلك المؤسسات التي لولاها لكانوا “فاقداً تربوياً”؛ لكنه “جزاء سنمار”. فقد تلقوا جميعاً تعليماً مجانياً بجودة عالية، وحينما تمكنوا من السلطة أضحى التعليم سلعة باهظة التكاليف وبجودة لا تتجاوز “فك الخط”.
​من المعلوم للكافة محاولة بيع مقار جامعة الخرطوم وتحويلها إلى مزارات أثرية في العام 2016، غير أن وقفة الطلاب والطالبات ووعي الرأي العام أبطلا تلك المحاولة، فظل المكان شامخاً وإن غدا الجوهر شاحباً. ثم سقط رأس نظام الإسلامويين وأضحى “الكيزان” فئراناً مذعورة تحتمي بجحور العواصم البديلة، لكن وعقب إشعالهم هذه الحرب العبثية في سبيل استعادة سلطتهم الغاشمة، تسللوا كاللصوص وقد سرقوا خيرات البلاد ودين رب العباد، وتسوروا حوائط المؤسسات كما فعلوا سابقاً، وعادوا بذات الأفاعيل.
​إن الاستقالة الصادمة والشجاعة التي دفع بها أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، الدكتور علي رباح، لا تعدو كونها مؤشراً لعودة الأبالسة لتحطيم المؤسسة الأعرق في السودان. غير أن ما استجد هذه المرة، وفقاً لتجاربهم في الشر، هو محاولة تلطيخ سمعة الجامعة ومؤسسات التعليم العالي كافة، وهي جريمة تهدد الأمن القومي وتنذر بشر مستطير.
​ثلاثة بنود مثّلت جرائم مركبة حوتها أسباب استقالة الدكتور رباح؛ أولاها نصاً: “السكوت عن وصول طرف ثالث غير مشروع إلى سجل الجامعة بالتعليم العالي”. وهذا يؤكد أن “جهة ما” استمرأت التلاعب بالسجل الجامعي في غياب تام لمؤسسات الدولة المغيبة أصلاً وقصداً منذ أن استولى عليها “الكيزان” مرة أخرى، والمؤكد أنه لا جهة غيرهم تعبث بمقدرات الدولة التي ترزح تحت أقدامهم.
​تُعرف سجلات الجامعات بـ “الذاكرة الأكاديمية” التي تمنح المؤسسات والخريجين مصداقيتهم، وأي تلاعب بها سواء بتعديل الدرجات، أو تزوير الشهادات، أو انتحال الشخصية، ليس مجرد خطأ أكاديمي، بل هو جريمة تمتد آثارها لتشمل الجوانب القانونية والمهنية والمجتمعية.
​تخيل –رعاك الله– أن طبيباً حاز على شهادة مزورة من جامعة عريقة كالخرطوم؛ أي أرواح ستزهق جراء ذلك؟ بالطبع الأرواح لا قيمة لها عند هؤلاء ما داموا يتعالجون في أفضل مشافي العالم، فلا بأس لديهم من إزهاق الأنفس بالرصاص أو بالدواء الفاسد. إن من آثار هذا التلاعب صناعة خريجين من “الفاقد التربوي” من أصحاب الولاء ليكونوا أهلاً للوظائف العامة، وفي ذلك برع الإسلامويون حين منحوا الشهادات العليا لمجموعة من الجهلاء، ويكفي أن اتحادات طلابهم كان يديرها مزورو الشهادات إبان حكمهم المشؤوم. أما انهيار الثقة في التعليم، فهو مشروعهم الأول الذي بذلوا في سبيله سخائم نفوسهم.
​غداً بإذنه تعالى، نقف عند البندين الثاني والثالث من أسباب استقالة الدكتور علي رباح.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole