*البراءة المقتولة…. كيف حولت المليشيا الطفولة إلى ساحة رعب تقرير _آفاق احمد محمد*

بين الظلام والخراب ضاعت الطفولة ليس مجرد فقدان مؤقت بل إغتيال كامل لكل براءة لكل أمل ولكل معنى للحياة بالنسبة للأطفال والنساء هناك من اختار أن يجعل الجسد الصغير ساحة انتقام والبراءة رهينة الخوف والعجز بينما العالم يراقب بصمت يزن الكلمات يبحث عن صياغة لا تفضحه ويترك الضحايا وحدهم في قلب العتمة ما حدث في الفاشر لم يكن انفلاتًا فرديًا
ولا حادثة عرضية بل عملية منهجية مدروسة يستهدف فيها الأضعف وتُستغل القوة بلا رادع أو محاسبة
الخطوط الحمراء لم تُجتز فقط بل مُسحت بالكامل الأطفال والنساء أصبحوا أهدافًا مباشرة ومقصودة الوحشية تحولت إلى ممارسة يومية كل صوت صار يختنق وكل دمعة تكتم وكل صمت سياسي أو اجتماعي أصبح مشاركة ضمنية في الجريمة الصمت الذي مهّد الطريق لهذه الانتهاكات جعلها مستمرة منتظمة وممنهجة بحيث أصبحت الطفولة أول الضحايا والنساء هدفًا دائمًا
ما حدث لم يقتصر على المليشيا وحدها بل شمل الأحزاب والساسة الذين رسموا الطريق باركوا الحرب حرضوا عليها وفتحوا الأبواب للوحشية لتصبح ممارسة ممكنة وشرعية كل من صمت عن هذه الجرائم أو حاول تبريرها أو تجاهلها أصبح شريكًا أخلاقيًا وقانونيًا في اغتيال معنى البراءة شريكًا في تحويل الأطفال إلى ساحة رعب مفتوحة شريكًا في جعل العنف مشروعًا ومقبولًا في الواقع اليومي
هذه الجرائم لا تُقاس بالاعتداء الجسدي فقط، بل تستهدف الروح والذاكرة والقدرة على النمو الطبيعي للأطفال وتخلق صدمة نفسية عميقة ستظل ترافق الضحايا سنوات طويلة وربما مدى الحياة كل لحظة صمت إضافية تزيد من وطأة الجريمة وتؤكد أن التهديد أصبح جزءًا من الحياة اليومية
ما ستقرأونه في هذا التقرير ليس مجرد قصة مأساوية، بل سجل حقيقي للانتهاكات المنظمة ضد الأطفال والنساء وتحليل شامل لمسؤولية كل طرف ساهم بتواطؤ أو صمت في تحويل الرعب إلى واقع يومي هذه مقدمة لتقرير استقصائي يضع الصحافة كمرآة للإنسانية المهدورة والقانون الدولي كمعيار للمساءلة والسياسة أمام السؤال الأخلاقي الأهم كيف سمحتم بأن تُقتل البراءة بهذا الشكل الوحشي؟

(والدة الطفلة …. المليشيا اغتالت طفولتها أمام عينيّ)

قالت والدة الطفلة إحدى الضحايا أن ابنتها البالغة من العمر خمس سنوات تعرّضت لاعتداء جنسي على يد عناصر من مليشيا الدعم السريع عقب اجتياح المدينة وأضافت الأم بصوت يختنق بين الغضب والخوف «ما حدث لم يكن حادثة عابرة ولا مجرد تجاوز بل كان اغتيالًا كاملًا للطفولة ومعنى البراءة اقتدت أنا وابنتي مع مجموعة من النساء بعضهن يحملن أطفالهن إلى منزل مهجور على أطراف المدينة وهناك نفذت المليشيا سلسلة من الانتهاكات الجماعية والمنهجية لم يُستثنَ أحد كل طفل وكل امرأة كان هدفًا مباشرًا للعنف الجسدي والنفسي
وأضافت الأم: «كنت أستجديهم أن يؤذوني أنا بدل ابنتي أي لكن أحدهم رد علي بلا أي رحمة ضاحكاً نحن نبحث عن طفلات أجسادهن لينه وأكدت أن كل الأطفال الذين كانوا مع أمهاتهن تعرضوا للاغتصاب أو التحرش الجنسي وأن النساء والأطفال استهدفوا أيضًا لفظيًا وعرقيًا مما يدل على عنف ممنهج ومخطط له وليس مجرد انفلات فردي.
وعن الحالة النفسية للطفلة أوضحت الأم أنها أصبحت منذ يوم الاعتداء انطوائية خائفة مصابة باضطرابات نوم مستمرة وترفض الابتعاد عن والدتها أو الاقتراب من أي شخص غريب قالت الأم: «تتجمد من أي صوت مفاجئ، وكأن كل شيء حولها أصبح تهديدًا دائمًا كل لحظة منذ الاعتداء مرتبطة بالخوف والذعر لقد استهدفوا براءتها وجعلوها تعيش الرعب قبل أن تعرف الحياة
وأكدت الأم أن ما شاهدته وعايشته ليس مجرد انفلات فردي أو حادثة عرضية، بل جزء من نمط العنف المنهجي ضد النساء والأطفال بعد السيطرة العسكرية على المدينة وأن الصمت السياسي والأمني حول هذه الجرائم جعلها مستمرة بلا أي رادع أو محاسبة

التوثيق القانوني والحقوقي

الانتهاكات التي كشفتها الشهادات لا تقتصر على تجاوزات فردية بل تمثل جرائم ضد الإنسانية وجريمة إبادة نفسية ممنهجة للأطفال والنساء وفق ما ينص عليه القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل بما في ذلك اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 واتفاقيات جنيف الأربع وبروتوكولاتها الإضافية
استهداف الأطفال المتكرر الاعتداء الجنسي الممنهج التمييز العرقي واستخدام الانتهاكات كأداة ترهيب جماعي كلها علامات على أن هذه الجرائم مخطط لها مستمرة وممنهجة وليست مجرد حوادث فردية
كما أفادت الشهادات أن المليشيا تعمدت استهداف المكونات القبلية بذريعة مشاركتها مع الجيش في الحرب ما يشكل انتهاكًا صارخًا وممنهجًا للقانون الدولي الإنساني أي استهداف جماعي لأفراد مدنيين بناءً على انتمائهم العرقي أو القبلي يعتبر جريمة خطيرة بذاتها ويضيف بعدًا آخر لانتهاك حقوق الإنسان بشكل متعمد ومنهجي
المحامي محمد آدم المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان قال ما نواجهه هنا ليس مجرد انتهاك عابر بل نمط كامل من الجرائم المنظمة ويصنف كجريمة ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية هذه الجرائم تشمل الاعتداء الجنسي المتعمد على المدنيين التمييز العرقي والقبلي واستخدام الأطفال كأدوات للضغط النفسي والسياسي وأضاف أي صمت أو تبرير من الاطراف الموالية للمليشيا أو المجتمع الدولي يُعد مشاركة ضمنية في هذه الجرائم ومسؤولية قانونية وأخلاقية لا يمكن التهرب منها
وأكد آدم أن التوثيق الدقيق للشهادات بما في ذلك التفاصيل الخاصة بالاعتداء النفسي والجسدي آثار الصدمة المستمرة والاستهداف الممنهج للأطفال والنساء والمكونات القبلية يشكل قاعدة أساسية لأي متابعة قانونية دولية ويثبت أن هذه الانتهاكات لا يمكن التعامل معها كحوادث فردية أو حوادث عابرة
كل صمت كل تجاهل أو تراخي يحوّل المتفرج إلى شريك ضمني في الجرائم نفسها ويضاعف من معاناة الضحايا، ويهدد الطفولة والمجتمع برمته ويجعل المحاسبة القانونية عاجلة وملزمة على المستويين الوطني والدولي

لم يعد ما جرى في هذه المدينة قابلًا للاختزال في توصيفات مخففة أو بيانات قلق باردة ما حدث للأطفال والنساء هو جريمة كاملة الأركان ممنهجة ومتعددة المسؤوليات جريمة لم تقع في الظل بل تحت سمع وبصر السياسة والسلاح والصمت الدولي كل إفادة كل شهادة كل أثر نفسي وجسدي موثق في هذا التقرير يؤكد أن ما جرى لم يكن انفلاتًا ولا فوضى حرب بل عنفًا مقصودًا استُخدم فيه الجسد البشري وخاصة جسد الطفل كساحة إذلال ورسالة رعب جماعي
المليشيا التي نفذت هذه الانتهاكات تتحمل المسؤولية الجنائية المباشرة لكن الجريمة لا تقف عند حدود الفاعل الميداني بل تمتد للأحزاب والقوى السياسية التي مهّدت للحرب حرّضت عليها أو برّرتها أو وفّرت لها الغطاء الأخلاقي شركاء في النتيجة الصمت هنا لم يكن حيادًا بل موقفًا والتجاهل لم يكن عجزًا بل اختيارًا أما المجتمع الدولي الذي اكتفى بالمراقبة والتصريحات المحسوبة فقد سمح عمليًا باستمرار الجريمة وبتحوّل الطفولة إلى هدف مشروع في معادلة القوة

هذا التقرير لا يقدّم مادة إنسانية للاستهلاك العاطفي ولا يسعى لاستدرار التعاطف إنه وثيقة اتهام مفتوحة اتهام لمن نفذ ولمن حرّض ولمن صمت ولمن رأى الأدلة واختار أن يؤجل العدالة كل يوم تأخير في المحاسبة هو تمديد للجريمة وكل تردد في تسمية المسؤولين بأسمائهم هو طعنة إضافية في جسد العدالة
الطفولة هنا لم تُستهدف بالصدفة بل لأنها الحلقة الأضعف ولأن الاعتداء عليها هو أقصى درجات كسر المجتمع من الداخل عندما تُدمَّر الطفولة لا تُدمَّر عائلة واحدة أو مدينة واحدة بل يُضرب المستقبل في جوهره وما لم تُواجَه هذه الجرائم بإجراءات قانونية حقيقية دولية وملزمة فإن الرسالة التي ستصل إلى العالم ستكون واضحة وخطيرة أن الإفلات من العقاب ممكن وأن أجساد الأطفال يمكن أن تتحول إلى هامش في صراع المصالح
السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس أخلاقيًا فقط بل قانوني وتاريخي من سيحاسَب؟ ومتى؟ لأن العدالة التي تتأخر طويلًا لا تعني فقط إنصاف الضحايا بل منع الجريمة القادمة وأي عالم يسمح بأن تُغتال البراءة بهذا الشكل ثم يواصل الصمت يفقد حقه في ادعاء الدفاع عن الإنسانية

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole