المارد الجوي يعود.. والرهان على قوة الإرادة وحنكة الإدارة
حكومة الأمل أمام تحدّي تحويل الفرح الشعبي إلى مشروع نهوض
إدريس: سودانير شركة عريقة وتاريخية وستعود أفضل مما كانت
مختصّون: لابد من إجازة قانون الشركة واسترداد حقوقها كاملة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
أثارت عودة طائرة الخطوط الجوية السودانية (سودانير) للتحليق في أجواء العاصمة الخرطوم عبر مطار الخرطوم الدولي، كوامن شجنٍ عميق وتطلّع صادق لرؤية هذا المارد الجوي العملاق يعود للتحليق من جديد في سماء السودان وقارات العالم المختلفة، بعد سنواتٍ ثقيلة من الغياب والتراجع، لقد كان هبوط طائرة (سوادنير) بمثابة لحظة وطنية مشبعة بالمشاعر، لحظة أجّجت نار الشوق والحب والانتماء في نفوس السودانيين، ذلك أن هذه العودة، جاءت لتعيد للسودانيين شيئاً من الإحساس باستعادة الحياة الطبيعية، ولتؤكد أن الأوطان، مهما أثقلتها الجراح، قادرة على النهوض حين تتوفر الإرادة، بيد أن هذه الفرحة الجارفة، بصدقها وعمقها، تضع في المقابل مسؤولية جسيمة على عاتق الدولة السودانية، مفادها أن تطوير (سودانير) ودعمها وتمكينها لم يعد ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية تمليها الرمزية والسيادة والمصلحة الاستراتيجية.
ستعود أفضل
وكان رئيس الوزراء كامل إدريس، قد أبدي اهتماماً متعاظماً بتطوير الناقل الوطني، مؤكداً أن سودانير ستعود أفضل مما كانت عليه، والتقى إدريس بالمدير العام للخطوط الجوية السودانية كابتن مازن العوض، عشية وصول أول رحلة للناقل الوطني إلى الخرطوم بعد نحو ثلاث سنوات من الغياب القسري عن أجواء العاصمة بسبب الحرب، حيث اطلع رئيس الوزراء على خطة تحديث وتطوير الشركة، وغداة تدشين أول رحلة جوية (لسودانير) إلى الخرطوم قادمة من بورتسودان، أعلن رئيس الوزراء استعادة خط (هيثرو)، في خطوة يُنتظر أن تسهم في إعادة إحياء الناقل الوطني وربطه مجدداً بالوجهات الدولية الحيوية، وأعرب إدريس عن تفاؤله بأن يعود الناقل الوطني إلى أحسن مما كان عليه، مبيناً أن (سودانير) شركة عريقة وتاريخية، وكانت من أفضل شركات الطيران في العالم، واحتلت المرتبة الثانية مباشرة بعد الخطوط الجوية البريطانية من حيث مستوى الخدمة المقدمة، وهو إرث مهني وتاريخي يستحق أن يُستعاد لا أن يُترك للنسيان.
أقدم الشركات ولكن
وتُعد شركة الخطوط الجوية السودانية واحدة من أقدم شركات الطيران الإقليمية على المستويين العربي والأفريقي، وظلت لعقود مفخرة للسودان ووجهاً مشرقاً له في الفضاءات الإقليمية والدولية، ورمزاً لسيادته الوطنية ومكانته الإقليمية، “حاملة للعلم ورافعة للراية في مطارات العالم”، حيث لم يكن من شعار أجمل أو أكثر تعبيراً من هوية (سودانير) العتيقة وشعارها الجذاب الذي ارتبط في الذاكرة السودانية بالسفر الآمن والخدمة الراقية، غير أن هذه المؤسسة الوطنية شهدت خلال العقود الماضية انهياراً مخيفاً، نتيجة الإهمال وسوء الإدارة، وقضايا فساد ضربت بنيتها وأثارت لغطاً واسعاً في الشارع السوداني، فتراكمت الأزمات الإدارية والمالية، بالتوازي مع الاضطرابات السياسية والعقوبات الاقتصادية وضعف البنية التحتية، لينعكس ذلك سلباً على دور (سودانير) في النقل الجوي الداخلي والدولي، وفقدت شركة الخطوط الجوية السودانية أسطولها الجوي، وخرجت من قائمة شركات الطيران المسموح لها بالتحليق في أجواء الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى قيود فنية وتقنية أثّرت على قدرتها التنافسية وسمعتها الإقليمية والدولية؛ ومع بشريات التخلّص من مآسي الحرب وتداعياتها القاسية، يظل إعادة السيرة الأولى (لسودانير) حلماً مشروعاً، بل وواجباً وطنياً، بأن تعود هذه المؤسسة رائداً لا يكذب أهلها، قادرة على منافسة كبريات شركات الطيران الإقليمية مثل الخطوط الأثيوبية، والكينية، والمصرية، فضلاً عن القطرية والإماراتية.
أولوية قصوى
ويرى خبراء مختصّون أن إعادة بناء (سودانير) تمثل أولوية قصوى ومشروعاً وطنياً ينبغي أن يتصدر أجندة الدولة ضمن مشروعات إعمار ما دمرته الحرب، لأهمية أن تعود (سودانير) مؤسسة وطنية قوية وذات مصداقية، قادرة على التحليق مجدداً في الفضاءات الدولية وربط السودان بالعالم، ويؤكد هؤلاء أن من أبرز المطلوبات لإعادة (سودانير) سيرتها الأولى، إجازة قانون شركة الخطوط الجوية السودانية (الناقل الوطني)، واسترداد حقوقها كاملة، بأن تكون حاملة العلم والمالكة الحصرية لحق المناولة الأرضية، والشحن الجوي صادراً ووارداً، بالإضافة إلى الخدمات المختلفة التي تمكّنها من استعادة أراضيها والوقوف على قدميها من جديد، كما يشمل ذلك العمل على استعادة الأسطول الجوي، وتأهيل المباني والمنشآت الخدمية و(الهناقر)، والمرافق الخاصة بالمعدات الأرضية، ومباني الترحيلات والتموين الجوي والمستودعات، باعتبارها متطلبات أساسية لترخيص المطارات وضمان استمرارية التشغيل وفق المعايير العالمية.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن عودة (سودانير) للتحليق في أجواء الخرطوم، كان بمثابة رسالة أمل مكتوبة على جناحي طائرة، اختصرت شوق شعب وتطلّعه للعبور من رماد الحرب إلى فضاء التعافي، غير أن تحويل هذه اللحظة العاطفية إلى إنجاز مستدام يتطلب قرارات شجاعة، واستثماراً ذكياً، وإدارة محترفة تعي أن (سودانير) أكبر من مجرد شركة قد تتعرض للخسارة، بل هي أصل سيادي واستراتيجي، وبين فرحة العودة وحلم التحليق العالمي، تقف الدولة اليوم أمام اختبار حقيقي لا بد من اجتيازه بنجاح كبير بجعل من سودانير قصة نهوض وطني تُروى للأجيال.




