*استمرار انتهاكات قوات الدعم السريع في السودان… المجتمع الدولي يدين والطبقة السياسية المدنية تخذل المدنيين*

سامي النمر

منذ اندلاع النزاع في السودان في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، يعيش المدنيون السودانيون واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية حدة في العالم، حيث تستمر قوات الدعم السريع في ارتكاب انتهاكات جسيمة تجاه المدنيين والمنشآت المدنية، بما في ذلك الهجمات على المستشفيات وقوافل المساعدات الإنسانية، بينما تبقى الاستجابة السياسية الداخلية بين القوى المدنية ضعيفة ومخيّبة للآمال، في ظل إدانة المجتمع الدولي والإقليمي المتكررة لهذه الجرائم دون نتائج عملية لحمايتهم.
على الأرض، تستهدف قوات الدعم السريع المدنيين بشكل مباشر، بما في ذلك استخدام طائرات بدون طيار في هجمات على أسر نازحة ومناطق مأهولة بالسكان، ما أسفر عن مقتل وإصابة المئات من المدنيين، من بينهم نساء وأطفال، ونزوح الملايين داخليًا وخارجيًا. كما تتواصل الهجمات على المرافق الطبية والبنية التحتية الإنسانية، مما يعيق وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر ضعفًا ويزيد من المعاناة الإنسانية في مناطق مثل دارفور وكردفان التي تشهد مستويات خطيرة من المجاعة ونقص الخدمات الأساسية. تقارير من المنظمات الحقوقية تشير إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها، بما في ذلك هجمات موجهة على أساس عرقي وعنف جنسي واسع النطاق.
في هذا السياق، جاءت إدانة وزارة الخارجية السعودية لتسجل موقفًا دوليًا حاسمًا ضد هذه الانتهاكات. عبرت الوزارة عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها قوات الدعم السريع على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقل نازحين مدنيين، والتي أدت إلى مقتل عشرات المدنيين العزل من بينهم نساء وأطفال وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتي شمال وجنوب كردفان. وشدّدت الوزارة على ضرورة توقف هذه الانتهاكات فورًا والالتزام بواجبات حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وفق القوانين الدولية والإنسانية، إضافة إلى ما ورد في إعلان جدة لحماية المدنيين في السودان الموقع في 11 مايو 2023م.
كما أصدرت دول عربية وإسلامية بيانات إدانة للهجمات التي شنّتها قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في دارفور، وطالبت بهدنة إنسانية فورية تضمن حماية المدنيين، في تعبير عن القلق من استمرار التصعيد العسكري الذي يقوض فرص السلام ويفاقم الأزمة الإنسانية.
إلى جانب المواقف الدولية، أصدرت منظمات حقوقية بيانات تحذّر من استمرار العنف الممنهج ضد المدنيين ومنع وصول المساعدات الإنسانية بسبب قيود فرضتها قوات الدعم السريع على عمليات الإغاثة، محذّرة من أن هذا الوضع قد يؤدي إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
رغم هذه الإدانة الدولية والإقليمية، بدا أن الاستجابة السياسية للطبقة المدنية السودانية ضعيفة وغير حاسمة. القوى السياسية المدنية، التي يفترض أن تكون صوت الدفاع عن المدنيين والمطالب بالتغيير السياسي، انشغلت في صراعاتها على المناصب والحسابات السياسية الداخلية، مما أضعف قدرتها على فرض إرادتها أو الضغط على أطراف النزاع لتحقيق وقف فعلي لإطلاق النار أو حماية السكان من العنف. هذا الخذلان السياسي الداخلي مكنّ أطراف الصراع، وخصوصًا قوات الدعم السريع، من الاستمرار في انتهاكاتها دون مساءلة حقيقية أو إجبار على التراجع. تقارير أممية وأخرى من منظمات حقوق الإنسان تشير إلى فشل الجهود السياسية في حماية المدنيين أو إعطاء دفعة قوية لوقف العنف، وهو ما يُضاف إلى العزلة السياسية التي تواجهها القوى المدنية أمام الميدان المليء بالدمار والمعاناة.
تكشف هذه المعطيات أن استمرار الانتهاكات في السودان لا يمكن عزله عن غياب آليات حقيقية للمساءلة السياسية داخليًا، وفي الوقت نفسه يؤكد على ضرورة مزيد من الضغط الدولي والإقليمي لتوحيد الجهود نحو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وتفعيل التزامات المجتمع الدولي بمحاسبة مرتكبي الجرائم وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن دون قيود تحرم الفئات الهشة من فرص النجاة في هذا النزاع الذي يكاد يبتلع الإنسانية داخل السودان.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole