*مبدأ «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض»… والتهديد الوجودي الذي يزحف على المنطقة*

في التراث العربي، لا تُروى قصة *«الثور الأبيض»* بوصفها حكاية رمزية فحسب، بل كقانون سياسي دائم: من يظن أن النار ستقف عند حدود غيره، سيكتشف متأخراً أنها كانت تتمدد نحوه منذ البداية.

اليوم، تعيش المنطقة حالة مشابهة من الإنكار السياسي الجماعي. فالتدرج في الاستهداف لم يعد فرضية، بل نمطاً متكرراً امتد من غزة إلى لبنان ثم سوريا واليمن، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.

هذا التسلسل يطرح سؤالاً استراتيجياً عميقاً: هل يمكن لأي دولة في الإقليم أن تعتقد أنها خارج دائرة الاستهداف فقط لأنها ترتبط بتحالفات مع الولايات المتحدة؟

في قراءة العديد من المحللين الجيوسياسيين، فإن منطق القوة في المنطقة لا يقوم على مبدأ التحالف الدائم، بل على مبدأ توازن المصالح المتغير. وضمن هذا الإطار، يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها فاعلاً استراتيجياً يسعى لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يضمن تفوقه طويل الأمد، وهو ما يجعل دولاً مركزية مثل تركيا ومصر والسعودية ضمن حسابات المستقبل الاستراتيجي مهما اختلفت طبيعة العلاقات الحالية.

*الحرب المفتوحة… من الردع إلى محاولة تغيير النظام*

المواجهة الأخيرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى تمثل، وفق كثير من القراءات، انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى محاولة فرض تغيير جذري في موازين السلطة.

فالهدف لم يعد – وفق ما يتم تداوله في بعض التقديرات الاستراتيجية – مجرد تحجيم قدرات إيران، بل إعادة تشكيل بنية النظام نفسه. وهذا تحوّل نوعي في قواعد الاشتباك، لأن الحروب التي تستهدف بنية النظام السياسي لا تبقى محدودة جغرافياً أو زمنياً.

في المقابل، جاء الرد الإيراني باستهداف مباشر لمصالح عسكرية منتشرة في الإقليم، إضافة إلى ضرب العمق الإسرائيلي في تل أبيب، في رسالة مفادها أن أي مواجهة شاملة ستتحول إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، لا إلى صراع ثنائي محدود.

*اغتيال القيادات… بين الحرب النفسية وتغيير موازين الردع*

ضمن مناخ الحرب الشاملة، تتصاعد التقارير والتصريحات المتضاربة حول استهداف قيادات عليا في إيران، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وسط بيانات وتصريحات من شخصيات سياسية بارزة مثل دونالد ترامب وقيادات عسكرية إسرائيلية.

لكن في الحروب الكبرى، لا تكون المعركة عسكرية فقط، بل إعلامية ونفسية أيضاً. فاستهداف القيادة العليا – سواء تحقق فعلياً أو أُعلن عنه سياسياً – يُستخدم كأداة لزعزعة الاستقرار الداخلي، وإرباك منظومة اتخاذ القرار، وإيصال رسالة ردع نفسية قبل أن تكون عسكرية.

*بنية النظام الإيراني… لماذا لا تنتهي الحرب باغتيال القادة؟*

القراءة المؤسسية لطبيعة النظام الإيراني تكشف أنه ليس نظاماً شخصانياً تقليدياً يعتمد على مركز قرار واحد.

فالسلطة العسكرية موزعة بين:
* الجيش النظامي
* الحرس الثوري الإيراني
* فيلق القدس

هذه البنية اللامركزية تعني أن القدرة القتالية لا تتوقف تلقائياً بزوال شخص أو حتى مجموعة قيادية، لأن النظام مصمم على مبدأ الاستمرارية الهيكلية وإنتاج القيادات البديلة.

ولهذا، فإن الافتراض بأن استهداف القيادة العليا سيوقف العمليات العسكرية فوراً قد لا يعكس فهماً دقيقاً لطبيعة التنظيم المؤسسي للدولة الإيرانية.

*خريطة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط… عندما تتحول الجغرافيا إلى ساحة حرب*

الوجود العسكري الأمريكي الواسع في الشرق الأوسط لم يكن يوماً مجرد انتشار دفاعي تقليدي، بل جزء من بنية ردع إقليمية شاملة.

لكن في حال تحول الصراع إلى مواجهة مفتوحة، فإن هذا الانتشار يتحول إلى شبكة أهداف محتملة، ما يضع الدول المستضيفة أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد:

* أراضيها تصبح مسرح عمليات

* بنيتها التحتية تدخل ضمن نطاق الاستهداف

* استقرارها الداخلي يصبح رهينة توازنات دولية لا تتحكم بها

وهذا ما يفسر القلق المتزايد من أن تتحول بعض دول المنطقة – بحكم الاستضافة العسكرية – إلى ساحات ارتدادية للصراع، لا أطرافاً مباشرة فيه.

*من الضربات المحدودة إلى مشروع إعادة تشكيل المنطقة*

الفارق بين الهجمات المحدودة السابقة وبين المواجهة الحالية – وفق عدد من التحليلات – يكمن في الهدف النهائي.

الضربات السابقة كانت ضمن قواعد اشتباك محكومة بسقف ردعي واضح.
أما الحرب الشاملة فتسعى إلى تغيير البنية السياسية ذاتها، وهو ما يعني احتمال نشوء فراغات سلطة، واضطرابات إقليمية، وإعادة رسم خرائط النفوذ.

تاريخياً، الحروب التي تستهدف إسقاط أنظمة لا تنتهي عند حدود الدولة المستهدفة، بل تمتد آثارها عبر الإقليم بأكمله.

*الحسابات السياسية… الحرب كخيار للهروب إلى الأمام*

في الداخل السياسي لكل من واشنطن وتل أبيب، تُطرح تساؤلات حول الدوافع العميقة للتصعيد.

يرى بعض المراقبين أن التصعيد قد يخدم حسابات داخلية، سواء عبر إعادة توحيد الجبهة السياسية، أو تحويل الأنظار عن أزمات داخلية، أو إعادة تثبيت الردع الاستراتيجي.

في هذا السياق، كثيراً ما يُشار إلى سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوصفها قائمة على مبدأ الحسم العسكري حتى لو اتسعت كلفة الصراع إقليمياً، بينما يُنظر إلى التصعيد في واشنطن أحياناً كجزء من توازنات السياسة الداخلية الأمريكية.

*لحظة تاريخية لا تحتمل الحياد الوهمي*

الشرق الأوسط يقف أمام لحظة مفصلية قد تعيد تعريف توازناته لعقود.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت الاستراتيجي خياراً محفوفاً بالمخاطر، لأن الصراعات الكبرى لا تحترم الحدود التي يرسمها المتفرجون.

وقانون «الثور الأبيض» يظل صالحاً في السياسة كما في الحكاية:
*من يظن أن الاستهداف لن يصله… قد يكون فقط في انتظار دوره.*

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole