كثيرون سألوني: لماذا لا أكتب كما ينبغي للكتابة أن تكون؟ أكتب لحظة… ثم أصمت طويلاً. كأن الكلمات تأتي على استحياء، أو كأنها تخشى أن تُقال في غير وقتها. فالكتابة عندي ليست قراراً، بل حال؛ تأتي حين تشاء، وتمضي حين تشاء، كأنها نفَسٌ من غيبٍ بعيد، أو ومضة لا تُمسك إلا إذا شاءت هي أن تُمسك.
لا أعرف سرّ هذا التوقف: أهو زحام الأيام؟ أم قِلّة ما يستحق أن يُكتب؟ أم ضجيج الحياة الذي يبتلع المعنى قبل أن يولد؟ أم أن المعنى لا يُعطى إلا لمن يطلبه بصدقٍ لا رياء فيه؟ أسأل نفسي: هل أبلغ مقام الصحفيين في دقّتهم؟ أم مقام الشعراء في ترجمة الوجدان؟ أم مقام الساسة في قراءة ما وراء المشهد؟ ثم أعود فأدرك أنني لا أبحث عن مقام… بل عن معنى.
وأيقنت أخيراً أن هذه المقالات ليست يقيناً، بل مجاهدة للسؤال؛ محاولة للعثور على يقينٍ صغير في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث حتى تكاد تسبق ظلّها، وتتزاحم فيه الأخبار حتى يضيع الصوت بين ضجيجين، وتتشابك فيه الروايات حتى يضيع اليقين بين الظلال.
“مفتاح المدى” ليست زاوية رأي، بل نافذة على الروح؛ خلوة نعتزل فيها ضجيج العالم، لنصغي إلى ما يقوله الصمت، وإلى ما يهمس به القلب حين يهدأ كل شيء. مساحة نبتعد فيها عن صخب اللحظة، ونقترب من جوهرها… من تلك الومضة التي تضيء ما بين السطور.
في حكاوي من زمن الحرب لا نكتب الحدث، بل رجفته؛ لا نروي القصة، بل أثرها حين تمرّ على القلب. نكتب ما تركته فينا من ندوبٍ أو نور. ونسأل: كيف تغيّرنا؟ كيف تغيّرت الدولة؟ وأين يقف الإنسان حين تتقاطع الخسارات مع ما تبقّى من حلم؟
هذه الكتابة ليست رواية مكتملة، بل سيرٌ على أطراف المعنى؛ خيطٌ رفيع نمسك به كي لا نسقط في العتمة. كل مقال فيها بابٌ صغير يُفتح على فكرة، أو قرار، أو سؤال ظلّ طويلاً يبحث عمّن ينطقه.
وقد اخترت أن أكتب تحت عنوان مفتاح المدى – حكاوي من زمن الحرب، وأن أهدي هذه الحروف إلى أمي وأبي… اللذين كانا أول الطريق، وأول نورٍ دخل القلب، وأول معنى علّمني أن الحياة ليست ما نراه، بل ما نُبصره ببصيرةٍ لا بعين.
إليكما… يا من جعلتما للحرف روحاً، وللموقف وزناً، وللحياة وجهاً آخر لا يراه إلا من عرف سرّها. لكما هذا الحرف… وكل ما بعده.
ونواصل….


