📁مقدمة: سيرة ذاتية بوصفها نقداً ذاتياً للطبقة الحاكمة
يُعد كتاب “النخبة السودانية وإدمان الفشل” للدكتور منصور خالد واحداً من أكثر الأعمال جرأة في نقد الذات الجماعية للنخبة السياسية السودانية. يصنف الكتاب ضمن أدب السيرة السياسية والمذكرات الفكرية، لكنه يتجاوز حدود السرد الشخصي إلى تأمل نقدي في بنية العقل السياسي السوداني وآليات اتخاذ القرار التي قادت البلاد إلى أزمة متكررة. يستند الدكتور منصور خالد، بصفته مفكراً وسياسياً ودبلوماسياً شارك في صنع بعض القرارات المصيرية في تاريخ السودان الحديث (خاصة خلال فترة مايو، ثم كان مستشاراً سياسياً لحركة تحرير شعب السودان)، إلى خبرة تراكمية نادرة، تجمع بين المعرفة النظرية والعمل السياسي المباشر. هذا الموقع الفريد هو الذي يمنح الكتاب قيمته التحليلية، إذ لا يكتب المؤلف كمراقب خارجي، بل كشاهد ومشارك، وأحياناً كمنتقد لذاته ولرفاق دربه.
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن النخبة السودانية، بكل أطيافها (تقليدية وحديثة، مدنية وعسكرية، يسارية وإسلاموية)، تعاني من “إدمان الفشل”؛ أي نمط متكرر من الممارسات السياسية التي تكرس الإخفاق بدلاً من تجاوزه. وهذا الإدمان ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وبنى ذهنية وسلوكية يمكن تفكيكها ونقدها.
📖الفصل الأول: تفكيك مفهوم “النخبة” والتمييز بين أصنافها
◼️يبدأ الكتاب بمحاولة جادة لتحديد المصطلحات، حيث يرفض منصور خالد الاستخدام الفضفاض لكلمة “نخبة” التي أصبحت “عهرت بالاستخدام الجاهل”. ويقترح تصنيفاً ثلاثياً للفاعلين في الحياة السياسية السودانية:
1. النخبة النظرية (أهل النظر): وهم المثقفون والمفكرون الذين يمتلكون رؤى استراتيجية، لكنهم غالباً ما ينعزلون عن الواقع العملي، أو تفتقر رؤاهم إلى أدوات التنفيذ.
2. النخبة العملية (أهل الفعل): وهم الحكام العسكريون والإداريون الذين يتميزون بالقدرة على اتخاذ القرارات الفورية والحلول الإجرائية، لكنهم يعانون من قصور في التحليل الاستراتيجي وفهم الجذور العميقة للمشكلات. ينتقد المؤلف هنا الأسلوب العسكري في الحكم الذي يكتفي “بحل المشكلات العارضة دون محاولة للغوص في أسبابها الجوهرية”.
3. النخبة “المشاغبة” (دراويش السياسة): وهي الفئة الأكثر خطورة في نظر الكاتب. يصفهم بأنهم “أهل الفعل بلا نظر”، الذين يرددون الشعارات (ليبرالية، اشتراكية، إسلامية) وكأنها طقوس دينية، ويعتقدون أن مجرد الصياح بها كافٍ لتغيير الواقع. هؤلاء، بحسب منصور خالد، هم أساس البلاء، لأنهم يحولون السياسة إلى خطاب منمق خالٍ من المحتوى، ويعجزون عن إدارة الدولة الحديثة التي تتطلب علماً وإدارة وليس مجرد شعارات.
هذا التصنيف يمهد الطريق لنقد لاذع للطريقة التي أدارت بها النخب السودانية (من مختلف الانتماءات) شؤون البلاد، حيث افتقرت إما إلى الرؤية أو إلى الكفاءة التنفيذية، أو وقعت في فخ “الدروشة” السياسية.
📖الفصل الثاني: قراءة نقدية للتجارب الديمقراطية
◾️يتناول منصور خالد التجارب الديمقراطية المتعاقبة في السودان (خاصة تجربة 1964-1969، ويلمح إلى تجربة 1985-1989) بنقد لاذع. لا يكتفي بتعداد الإنجازات، بل يغوص في التناقضات الجوهرية التي أفشلت هذه التجارب. فالديمقراطية، في نظر الكاتب، لم تكن ممارسة حقيقية بقدر ما كانت “لعبة” يمارسها الحكام وفق قواعد غير مكتملة. ينتقد بشدة ما يسميه “الازدواجية” في الخطاب السياسي: فالأحزاب التي ترفع شعار الديمقراطية اليوم كانت تتغاضى عنها أو تعاديها بالأمس (في إشارة إلى مواقف بعض الأحزاب التقليدية من نظام مايو، ثم استعادتها للشعارات بعد سقوطه). كما ينتقد “المزايدين” بالديمقراطية وحقوق الإنسان ممن كانوا جزءاً من النظام السابق ولم يعترضوا على انتهاكاته إلا في الساعة الحادية عشرة.
◾️يكشف المؤلف عن تناقض آخر، وهو التناقض بين الديمقراطية السياسية الشكلية (الانتخابات، البرلمانات) والعدالة الاجتماعية والاقتصادية. فالتجارب الديمقراطية في السودان، كما يراها، ظلت حبيسة “جمهورية المدن الثلاث” (الخرطوم، أم درمان، بحري)، مهملة للريف والمناطق المهمشة، مما أدى إلى تفاقم الظلامات الإقليمية والهجرة الداخلية. بهذا المعنى، لم تكن الديمقراطية “شاملة” بقدر ما كانت “نخبوية” حصرت نفسها في دوائر الخريجين والنقابات المهنية، دون أن تنتقل إلى مؤسسات حديثة تمثل الفلاحين والعمال والمزارعين.
📖الفصل الثالث: قضية الجنوب والتنوع الثقافي – نقد النزعة الإلغائية
🔸️يقدم منصور خالد في هذا الكتاب قراءة متقدمة (نسبياً لزمن صدوره) لقضية الجنوب والتنوع الثقافي في السودان. ينتقد بشدة “النظرة النهجية” التي تسعى إلى إلغاء أي بُعد من أبعاد الشخصية السودانية المتعددة (الزنجية، العربية، النوبية، الإسلامية، المسيحية). ويرى أن من يحاول اختزال السودان في هوية واحدة، وينكر حقائقه التاريخية والجغرافية، لا يمكنه إلا أن يستبعد نفسه من معادلة المستقبل.
🔸️يستشهد الكاتب بأمثلة تاريخية لرفض النخب الشمالية (باستثناء الحزب الشيوعي والإخوان الجمهوريين) الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي، ويتهمها بتغذية النزعة المركزية التي قوضت اتفاق أديس أبابا 1972. ينتقد أيضاً الأدوات التي استخدمتها النخب لتكريس الهيمنة، مثل التمسك ببعض النصوص الدينية تفسيراً حرفياً ضيقاً (مثل الحديث عن ولاية المرأة أو حدودها) لتبرير التخلف ورفض المساواة، في تجاهل تام لتجارب دول أخرى (كالهند) التي نجحت في إدارة التنوع بمرونة واجتهاد.
📖الفصل الرابع: الاقتصاد والسياسة – نقد الإصلاحات الوهمية
🔹️يتناول الكتاب النمط السائد للتنمية في السودان، والذي يركز على الشمال النيلي ويخلق “ثنائية عرجاء” في الاقتصاد: قطاع حديث يتركز في الشمال، وقطاع تقليدي مهمل في بقية البلاد. ينتقد منصور خالد خطاب “الإصلاح الزراعي” الشعاراتي الذي تبنته بعض الحكومات (بإشارة إلى قرار تأميم مشاريع النيل الأبيض والأزرق في عهد الصادق المهدي 1966-1967)، واصفاً إياه بأنه لم يكن إصلاحاً حقيقياً، بل “مؤسسة جديدة تستوعب الطامحين في الترقى والطامعين في سيارات المرسيدس”. أي أن الإصلاح تحول إلى وسيلة لتوسيع البيروقراطية وإشباع النخب الجديدة، بدلاً من أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية وتحسين حياة الفلاحين.
🔹️يقدم الكاتب مقارنة مع النموذج الهندي في الإصلاح الزراعي الذي اعتمد على التعاونيات والتمويل والإرشاد، وأسفر عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. في المقابل، ظلت السياسات الاقتصادية السودانية رهينة للمزايدات السياسية والنظريات المستوردة (سواء الرأسمالية أو الاشتراكية) دون تكييفها مع الخصوصية السودانية.
📖الفصل الخامس: الشخصيات المحورية – نقد الأفراد وتناقضاتهم
يتضمن الكتاب شهادات وتحليلات معمقة لشخصيات سياسية محورية، ويظهر فيها الجانب الشخصي في التحليل السياسي. أبرز هذه الشخصيات:
1. السيد الصادق المهدي: يقدم منصور خالد قراءة نقدية لتناقضات شخصية الصادق المهدي، الذي وصفه في موضع آخر بأنه يجمع بين “واقع الزعيم الطائفي التقليدي وطموح المثقف المجدد”. يرى الكاتب أن هذا التناقض جعله يراوح بين موقفين طوال فترة حكمه، مما أدى إلى شلل القرار وتراجعه عن وعوده بإصلاح جذري.
2. السيد محمد عثمان الميرغني: يثني الكاتب على موقفه في مبادرة السلام مع جون قرنق عام 1988، والتي نصت على تجميد القوانين الدينية الجنائية، معتبراً أن هذا الموقف يعكس “استبصاراً واعياً” وهدته “الفطرة قبل الحكمة” إلى أن طريق الهوس الديني لا يؤدي إلا إلى التهلكة.
3. السيد محمد أحمد المحجوب (رئيس الوزراء في ستينيات القرن الماضي): يستعرض الكتاب أزمة انتقال السلطة بين المحجوب والصادق المهدي، ويوثق تحذير المحجوب الشهير للصادق: “قد تصبح رئيساً للوزراء يوماً ما، ولكن لن تدوم أكثر من تسعة أشهر”. هذا المقطع يظهر كجزء من نقد “الفردانية” و”الشخصنة” في السياسة السودانية.
📖الفصل السادس: نحو استنتاج – ضرورة تجاوز “إدمان الفشل”
📍يختتم منصور خالد الجزء الأول من كتابه بإعادة تأكيد فرضيته: أن محنة السودان ليست في عدم امتلاكه مقومات النهضة (أرض، ماء، ثروات، رجال)، بل في “البُروس المشاغبين” من النخبة الذين لا هم أهل نظر ولا أهل فعل. يرى أن الطريق إلى الخروج من هذا المأزق يتطلب:
1. مراجعة نقدية جذرية: ليس فقط للممارسات السياسية، بل للبنى الذهنية التي تنتجها. ويدعو إلى التخلي عن “الاختزال الأيديولوجي” للحقيقة، والتحلي بالشجاعة لمراجعة المواقف الخاطئة دون “العزة بالإثم”.
2. التواضع المعرفي: الاعتراف بأن إدارة الدولة الحديثة لا تتم بـ”الاصطفاء” أو “الكسب اللدني”، بل بالعلم والمعرفة بمناهج السياسة والإدارة.
3. العلمانية العملية: الإشارة المتكررة إلى التجربة الهندية (نموذج نهرو) كمصدر إلهام لإدارة التنوع، حيث فصل الدين عن الدولة، وأقام توازناً بين المركز والأطراف، ووسع دائرة المشاركة، دون أن يتخلى عن قيمه.
♻️خلاصة: قيمة الكتاب في النقد الذاتي
يمثل كتاب “النخبة السودانية وإدمان الفشل” شهادة فكرية وسياسية فريدة. قيمته لا تكمن فقط في رصده للأحداث التاريخية، بل في جرأته على نقد المقدس في السياسة السودانية: نقد الأحزاب التقليدية، ونقد اليسار، ونقد الإسلام السياسي، ونقد الحكم العسكري. إنه كتاب صعب على قرائه، لأنه يوجه لهم مرآةً عاكسة، كما يوجهها للمؤلف نفسه.
📘الجزء الأول من الكتاب يشكل تأسيساً منهجياً وفكرياً للرؤية النقدية لمنصور خالد، والذي يعد بجزء ثانٍ (ربما يكون أكثر تطبيقاً على التجارب اللاحقة). في هذا الجزء، يظهر الكاتب كـ”طبيب سياسي” يحاول تشخيص الداء الذي أصاب الجسد السوداني، وهو “داء النخبة”؛ داء العجز عن تحويل الإمكانات الهائلة إلى نهضة حقيقية، بسبب الانشغال بالصراعات الشخصية، والمزايدات الشعاراتية، والعجز عن بناء توافق وطني حقيقي يستوعب تنوع البلاد. يظل هذا الكتاب وثيقة أساسية لفهم سيكولوجية السياسة السودانية وأسباب تعثر مشروعها النهضوي.


