*الى الاستاذ نهار عثمان نهار من الناشط /جعفر سنين باريس 31/03/2026*

ما بين غضب المشروع وخطورة التعميم: رداً على مقال نهار عثمان نهار: بين النقد المشروع وخطر التعميم

أثار المقال الذي كتبه نهار عثمان نهار نقاشاً مهماً حول واقع الحركات المسلحة، وهو نقاش لا يمكن تجاهله في ظل اللحظة الحرجة التي تمر بها البلاد.
لكن بين الإدانة الكاملة والتبرير المطلق، تظل الحقيقة أكثر تعقيداً.

أولاً: هل فعلاً “تقزّمت” الحركات؟
لا يمكن إنكار أن بعض الحركات المسلحة، بعد اتفاق جوبا، فقدت جزءاً من زخمها الثوري، ودخلت في مرحلة اتسمت بضعف مؤسسي وتمركز القيادة حول أشخاص.
كما أن شكاوى الجرحى وأسر الشهداء حقيقية ومؤلمة، وغياب الشفافية المالية في كثير من الكيانات يمثل خللاً كبيراً.

لكن، هل تختزل الصورة كلها في فساد وخيانة وانحراف قبلي؟
الإجابة تتطلب قدراً من الإنصاف.

هذه الحركات لم تنشأ داخل دولة مستقرة ذات مؤسسات مالية وقانونية فاعلة، بل نشأت في سياق حرب، ثم دخلت في تسوية سياسية هشة، قبل أن تنهار الدولة نفسها مجدداً.
بالتالي، فإن جزءاً من الفوضى الحالية هو انعكاس لانهيار الدولة، لا مجرد فساد أفراد — مع التأكيد أن هذا التفسير لا يبرّر غياب المعايير أو المساءلة.

ثانياً: هل الدعم للمقاتلين مختفٍ فعلاً؟
الواقع أكثر تعقيداً مما يُطرح.
فكثير من التعهدات المالية لم تُنفذ، وبعض الموارد المرتبطة بالترتيبات الأمنية تعطلت، إضافة إلى وجود مناطق قتال معزولة عن الإمداد.

هذا لا يعفي القيادات من المسؤولية، لكنه يوضح أن المشكلة ليست دائماً “اختلاساً منظماً”، بل قد تكون مزيجاً من سوء إدارة، وضعف موارد، وانهيار بنيوي عام.

ثالثاً: ظاهرة “حركة الشخص الواحد”
هذه الظاهرة حقيقية، لكنها ليست حكراً على الحركات المسلحة.
فالسياسة السودانية عموماً تعاني من ضعف الثقافة المؤسسية وهيمنة الزعامات الفردية، حتى داخل الأحزاب المدنية.

ورغم ذلك، لا يمكن تعميم الصورة بالكامل، إذ توجد حركات لديها هياكل تنظيمية — وإن كانت ضعيفة — كما أن بعض الانقسامات حدثت أصلاً بسبب رفض النزعات القبلية.

رابعاً: الانغلاق القبلي… ظاهرة عامة لا خاصة
عودة النزعة القبلية خلال الحرب الأخيرة أمر مؤسف، لكنها ليست مقتصرة على الحركات المسلحة.
فالمشهد السوداني بأكمله يشهد تفككاً اجتماعياً:
الجيش، والدعم السريع، وحتى القوى المدنية، جميعها لها امتدادات اجتماعية وجهوية.

نحن أمام أزمة وطنية شاملة، لا انحراف جهة واحدة.
لكن الحركات التي رفعت شعارات العدالة والمساواة مطالبة بأن تكون أعلى أخلاقياً من غيرها.
وإذا فقدت هذا التفوق، فما الذي يميزها فعلاً؟

خامساً: هل النقد العلني يخدم القضية؟
النقد ضرورة، والمساءلة شرط لأي مشروع سياسي سليم.
لكن الإشكال الحقيقي هو: كيف يُمارس هذا النقد؟

حين يتحول النقد إلى تعميم يهدم الثقة في كل الأجسام المقاومة في لحظة حرب، فقد يؤدي إلى فراغ أخطر.
وفي المقابل، فإن السكوت بدعوى “وحدة الصف” قاد في تجارب سابقة إلى نتائج كارثية.

الحل ليس في الصمت، ولا في التشهير غير الموثق، بل في بناء آليات واضحة، مثل:
• نشر تقارير مالية دورية
• إنشاء لجان رقابة مستقلة
• إشراك ممثلين حقيقيين من الميدان
• توفير دعم مؤسسي وشفاف لأسر الشهداء والجرحى

سادساً: من الاعتراف إلى الإصلاح
الاعتراف بعدم الكمال خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها.
الإصلاح يتطلب وضوحاً عملياً:
• إجراءات عاجلة: شفافية، ومعالجة أوضاع الجرحى والأسر
• إجراءات متوسطة: رقابة مستقلة وإصلاح إداري
• إجراءات طويلة: مؤتمرات عامة، وإعادة هيكلة حقيقية

بدون ذلك، يظل الخطاب — مهما كان صادقاً — مجرد صرخة أخلاقية.

الخلاصة
نعم، هناك خلل حقيقي داخل بعض الحركات.
نعم، هناك أزمة شفافية، وظواهر شخصنة وانغلاق.

لكن:
الانهيار شامل في الدولة،
والتعميم يظلم من لم ينحرف،
والإصلاح لا يتم بالإدانة وحدها.

لم يعد السؤال: من أخطأ أكثر؟
بل: من يملك الشجاعة ليبدأ الإصلاح.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole