حين حملوا السلاح رفعوا شعارات العدالة والمساواة والحرية وأعلنوا أنهم يقاتلون التهميش ويحمون المظلومين في أطراف السودان خرجوا من هامش القهر إلى مركز القوة حاملين آمال من ضحوا بالغالي والنفيس لتحقيق الحق والكرامة لكن سنوات الحرب كشفت الوجه الحقيقي لحمل السلاح لم يكن الهدف يومًا بناء وطن شامل أو مجتمع متساوٍ أو حماية الإنسان بل هدفهم الحقيقي كان حماية مصالح جناح محدد أو دائرة ضيقة تحرس امتيازات القادة ومع مرور الوقت صار السلاح أداة لإعادة ترتيب السلطة وحماية الانتماء الدموي وتحويل النضال الوطني إلى مشروع احتكاري داخلي تتحكم فيه الولاءات والقرابة والدم ولا شيء آخر
في دارفور كل حركة خرجت بأسم العدالة تحولت إلى نسخة مغلقة من مشروع القبيلة الواحدة جناح عبدالواحد اختزل القيادة العليا في دائرة ضيقة امتدت من نائبه إلى قيادات الصف الأول والثاني كل ترقي وكل امتياز وكل موقع قيادي مخصص لمن يحمل الانتماء القبلي كل من حاول الخروج عن هذه الدائرة وجد نفسه خارج اللعبة جناح مناوي كرر نفس النموذج سلطة مغلقة توزيع امتيازات داخلية قيادة لا تنفتح إلا على الداخل الدموي كل من حاول تجاوز هذه الدائرة وجد نفسه خارج اللعبة رغم التاريخ الطويل من التضحيات جناح عبدالله يحي نسخة أخرى من نفس التجربة العدل والمساواة أيضاً نسخة من نفس المشروع كل شعار عن العدالة صار غطاء لممارسة التمييز الداخلي والإقصاء كل من حاول الحفاظ على شرف القضية وجد نفسه خارج المنظومة
الرتب العسكرية داخل هذه الحركات ليست مقياسًا للكفاءة أو الشجاعة أو الإخلاص للقضية بل معيارها الانتماء الدموي إن كنت من أهل البيت أو الحلقة الضيقة الطريق مفتوح أمامك لتقفز من نقيب إلى عميد بلا حساب أما من خارج الدائرة سقفك محدود من ملازم إلى نقيب مهما قاتلت ومهما قدمت ومهما صمدت اللعبة ليست لعبة كفاءة بل لعبة نسب وقرابة ومن يملك الانتماء يملك كل شيء ومن لا يملكه فهو خارج اللعبة منذ البداية هذا الانحراف ليس عارضًا بل جوهريًا لأنه يحوّل البندقية من أداة للتحرير إلى أداة لحراسة الامتياز القبلي يحوّل الثورة من مشروع شامل إلى مشروع احتكاري يختزل الوطن في حدود ضيقة يحوّل حلم العدالة إلى ممارسة القهر نفسها التي قاتل ضدها وربما بأكثر فجاجة لأنها تأتي بأسم المظلومية
حملوا السلاح ضد التهميش ليعيدوا كرامة المظلوم لكنهم حولوا القضية إلى وسيلة للاحتكار الداخلي وحماية مصالح جناح كل حركة خرجت للقتال من أجل التهميش لكنها أعادت إنتاج التهميش داخل حدودها لم تعد العدالة معيارًا بل الانتماء صار القانون والامتياز صار الحق والدم بطاقة عبور للوصول إلى القمة لا لممارسة الحرية كل قائد اليوم يحرس مصالح دائرتين أو ثلاث وليس مصالح الناس الذين قاتل من أجلهم السلاح لا يحمي المدنيين ولا المظلومين ولا يفتح طريقًا للفرص بل يحرص على أن تظل الدائرة الضيقة محصنة ضد أي تدخل خارجي أو منافس داخلي
دارفور ليست قبيلة واحدة لكنها اليوم مختزلة داخل هذه الحركات في حدود ضيقة جناح عبدالواحد قبيلة واحدة جناح مناوي قبيلة واحدة جناح عبدالله يحي قبيلة واحدة العدل والمساواة قبيلة واحدة كل حركة أعادت إنتاج نفسها على نمط احتكاري داخلي كل بندقية تحرس امتياز دائرة ضيقة كل رتبة تمنح وفق الانتماء لا وفق الاستحقاق وكل شعار عن العدالة صار مجرد قناع يخفي الجريمة وكل محاولة لإعادة الحق أو العدالة تُقابل بالإقصاء والترهيب وإعادة إنتاج السلطة تحت شعارات زائفة
كل جناح أصبح لديه دائرتان أو ثلاث من القيادات العليا التي تحرس امتيازها الداخلي كل رتبة من الملازم إلى العميد مرتبطة بالدم والقرابة وليس بالكفاءة كل ترقي وكل امتياز وكل قرار داخل الحركة يمر عبر فحص الانتماء والولاء وكل بندقية صارت وسيلة لتثبيت الهيمنة الداخلية لا لحماية المظلومين أو المدنيين كل حركة باتت آلة لتكريس الانحياز القبلي والولاءات الضيقة والامتيازات المغلقة وكل من خرج عن هذا النطاق محكوم عليه بالإقصاء أو التهميش أو حتى الموت الرمزي داخل اللعبة
على سبيل المثال ناطق عبدالواحد يتصرف كسلطان داخل جناحه كل امتياز اقتصادي أو إداري يمر عبر موافقته المباشرة كل قائد صف أو ضابط برتبة نقيب أو رائد يخضع لفحص الولاء أما من خارج دائرة الدم فلا فرصة له للترقي حتى لو قاتل في الجبهات وخاطر بحياته جناح مناوي يكرر نفس السيناريو كل قيادة عليا مرتبطة بالقرابة الممتدة من مؤسس الحركة وصولاً إلى الصف الأول والثاني كل ترقيات من ملازم إلى نقيب هي امتياز محدود لكل من لا يحمل الانتماء الصحيح كل بندقية وكل موقع إداري أو عسكري يحرس مصالح دائرة ضيقة وليس مصالح الشعب جناح عبدالله يحي والعدل والمساواة جناح جبريل ابراهيم لا يختلفان كثيرًا كل خطوة ترقي وكل موقع قيادي أصبح رهين الانتماء والولاء لا الاستحقاق أو الالتزام بالقضية
اليوم كل حركة كانت ترى نفسها ضحية لكنها تحولت إلى جلاد كل بندقية كانت سلاحًا للحرية أصبحت سلاحًا للهيمنة كل شعار عن العدالة تحول إلى قناع للإقصاء كل قائد أصبح جزءًا من آلة إعادة إنتاج التهميش تحت شعارات النضال كل رتبة وكل امتياز وكل موقع قيادي أصبح محميًا بالدم والانتماء لا بالكفاءة أو الإخلاص للقضية وكل محاولة لإعادة الحق أو العدالة تُقابل بالإقصاء والترهيب وإعادة إنتاج السلطة نفسها تحت شعارات زائفة
السودان اليوم يعيش نتائج هذا الانحراف النضالي كل حركة حملت شعار العدالة لكنها أعادت إنتاج التهميش داخل حدودها الخاصة كل قائد يحرس مصالح دائرة ضيقة لا مصالح الناس كل بندقية تحرس الامتياز لا الحرية وكل رتبة وكل امتياز أصبح رهين الانتماء لا الكفاءة كل من حاول التحرر من هذه الدائرة أصبح خارج اللعبة كل خطوة ترقي وكل موقع قيادي وكل امتياز اقتصادي أو عسكري صار رهين الانتماء والولاء لا الاستحقاق أو الالتزام بالقضية
كل هذه الحقيقة المريرة تثبت أن المشروع الثوري الذي انطلق بأسم العدالة والحرية تحول إلى أداة للإقصاء والتحكم الداخلي وحماية الامتيازات الخاصة وأن حمل السلاح ضد التهميش أصبح وسيلة لإعادة إنتاج التمييز والانحياز بوجه أكثر خبثًا وأكثر ضيقًا وأكثر عنصرية وكل من قاتل اليوم يجد نفسه أمام نسخة مقلوبة من القهر نفسه الذي قاتل ضده
السودان اليوم أمام معضلة جوهرية دماء خرجت من أجل العدالة تحرس اليوم الامتيازات الداخلية وحمل السلاح ضد التهميش صار وسيلة لإعادة إنتاج التمييز والانحياز والولاءات الضيقة وكل جناح أصبح نسخة مصغرة من القهر الذي قاومه وكل رتبة وكل امتياز وكل موقع قيادي أصبح أداة لإعادة إنتاج دائرة ضيقة محصنة بالدم والانتماء لا بالقيم




