*التضخم : بين فوضى الداخل وحرب الخارج … قراءة في السودان قبل وبعد الحرب الإيرانية*
بقلم : أحمد عبدالحميد
*مفهوم التضخم*
ببساطة، التضخم هو الإرتفاع المستمر في الأسعار، والذي يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة، بمعنى أن نفس المبلغ من المال لم يعد قادراً على شراء نفس الكمية من السلع والخدمات.
فهو مؤشر حساس على استقرار الإقتصاد ، فـ إرتفاعه بشكل غير منضبط يعكس خللاً عميقاً في السياسات المالية والنقدية.
ولهُ عدد من الأسباب، أبرزها :
– زيادة الكتلة النقدية دون مقابل إنتاجي : اي زيادة الأموال عند الناس لكن السلع نفس الكمية أو يحدث فيها شح بالتالي يحصل تنافس على نفس السلع ومن ثم التجار يرفعون الأسعار.
– إرتفاع تكاليف الإنتاج
– تراجع قيمة العملة المحلية
– الأزمات السياسية والاقتصادية
*التضخم في السودان .. أزمة مزمنة تتفاقم*
في السودان لا يُعد التضخم ظاهرة طارئة، بل هو أزمة ممتدة تعود جذورها إلى سنوات طويلة من الاختلالات الاقتصادية.
فقد عانى السودان من تراجع الإنتاج، وضعف الصادرات، واعتماد كبير على الواردات، إلى جانب سياسات نقدية توسعية أدت إلى طباعة العملة دون غطاء حقيقي.
كما ساهم تدهور سعر الصرف في تسارع التضخم، مما زاد سعر السلع المستوردة—وهي تشكل نسبة كبيرة من الاستهلاك—والسلع المحلية.
ومع إندلاع الحرب الداخلية في البلاد، دخل الاقتصاد مرحلة أكثر هشاشة، حيث تعطلت سلاسل الإمداد، وتوقفت أنشطة إنتاجية واسعة، مما أدى إلى ارتفاعات قياسية في الأسعار.
*ما بعد حرب إيران ..التأثير غير المباشر على السودان*
رغم أن السودان ليس طرفاً مباشراً في حرب إيران، إلا أن الإقتصاد السوداني—كغيره من الاقتصادات الضعيفة—يتأثر بشدة بالتقلبات العالمية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
فأي تصعيد عسكري مرتبط بإيران، وهي دولة مؤثرة في سوق النفط، يؤدي غالباً إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وهذا الارتفاع ينعكس مباشرة على تكلفة الوقود في الدول المستوردة، ومنها السودان، مما يؤدي لإرتفاع تكلفة النقل والإنتاج، بالتالي ترتفع أسعار السلع الأساسية، مما يسبب موجة تضخم جديدة، إضافة إلى ذلك، فإن التوترات الإقليمية تؤثر على حركة التجارة العالمية، وقد تؤدي إلى اضطرابات في الإمدادات، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن.
وكل هذه العوامل تُترجم في النهاية إلى زيادة في الأسعار داخل الأسواق المحلية السودانية.
*بين الداخل والخارج .. من يتحمل المسؤولية؟*
رغم تأثير العوامل الخارجية، إلا أن تحميلها كامل المسؤولية يُعد تبسيطاً مخلّاً، فالحقيقة أن جذور التضخم في السودان داخلية بالدرجة الأولى، تتمثل في :
– ضعف الإدارة الاقتصادية
– غياب الاستقرار السياسي
– إنهيار البنية الإنتاجية
أما العوامل الخارجية—مثل الحروب الإقليمية—فهي بمثابة “مسرّع للأزمة” وليست السبب الأساسي، بمعنى أنها تزيد من حدة التضخم القائم أصلاً، لكنها لا تخلقه من العدم.
*خاتمة*
يبقى التضخم في السودان إنعكاساً مركباً لأزمة داخلية عميقة تتغذى من متغيرات خارجية متسارعة، وبينما لا يملك المواطن العادي أدوات لمواجهة هذه الموجة، تظل المسؤولية الكبرى على صناع القرار لإعادة بناء إقتصاد منتج، مستقر، وقادر على امتصاص الصدمات.
فبدون إصلاحات حقيقية، سيظل التضخم ليس مجرد رقم في التقارير، بل واقعاً يومياً يثقل كاهل المواطن ويقيد مستقبل البلاد.




