*موطئ قلم د. أسامة محمد عبدالرحيم الأداء التنفيذي للحكومة السودانية بين اختلال الداخل وضغط الخارج*

لا يُقاس أداء أي دولة في الخارج بمعزل عن أدائها في الداخل، بل يتأسس عليه ويستند إليه. فالصورة التي تُقدَّم للعالم ليست سوى انعكاس لما يجري في عمق البنية التنفيذية، حيث تتشكل ملامح الفاعلية وحدود التأثير. وعلى هذا الأساس، لا تُفهم الدولة بوصفها حضورًا دبلوماسيًا أو خطابًا سياسيًا فحسب، بل كمنظومة متكاملة تقوم، من حيث المهام والأداء، على ركيزتين لا تنفصلان؛ ويتمثلان في الشأن الداخلي والشأن الخارجي. وإذا كان الخارج يمثل الواجهة التي تُرى، فإن الداخل يظل هو الأساس الذي تُبنى عليه تلك الواجهة، إذ لا يمكن لأي دولة أن تُحسن تمثيل نفسها خارجيًا ما لم تكن متماسكة ومتوازنة في بنيتها الداخلية، لأن قوة الموقف الخارجي ليست إلا امتدادًا طبيعيًا لقوة الأداء الداخلي.

وفي الحالة السودانية، يتبدّى الخلل بوضوح في هذه المعادلة الدقيقة. فالجهاز التنفيذي، بوصفه الذراع المدنية لإدارة الدولة، يعاني من حالة ضعف واهتزاز في بنيته وأدائه، الأمر الذي انعكس سلبًا على مجمل الفعل الحكومي. هذا الضعف الداخلي لم يبقَ حبيس الجغرافيا الوطنية، بل تسرب أثره إلى الخارج، حيث أصبحت صورة الدولة أقل تماسكًا، ومواقفها أقل اتساقًا، وقدرتها على الفعل السياسي والدبلوماسي محدودة ومضطربة.

المشكلة في الحالة السودانية ليست في حجم التحديات الخارجية، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى فرص، نتيجة خللٍ في الأداء التنفيذي الداخلي يجعل من الخارج عبئًا إضافيًا بدل أن يكون مجالًا لتعظيم المكاسب.

وفي مقابل هذا الضعف التنفيذي، برزت المؤسسة العسكرية كفاعل رئيسي في إدارة المواقف السياسية، بل وفي تمثيل الدولة خارجيًا في كثير من الأحيان. ولا يعكس ذلك نزوعًا توسعيًا بقدر ما يمثل نتيجة مباشرة لفراغ أحدثه ضعف الجهاز التنفيذي المدني، الذي كان يفترض أن يتصدر إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وهكذا، وجدت الدولة نفسها في وضع غير متوازن؛ قوية في بعدها العسكري، وضعيفة في إدارتها التنفيذية والسياسية، خاصة في ما يتعلق بمعاش الناس وتسيير الاقتصاد وصياغة السياسات العامة. وهنا تتجلى المفارقة المركزية؛ فأزمة الدولة في السودان ليست في نقص القوة، بل في سوء توزيعها بين مؤسساتها، حيث تتكدس في موقع، وتغيب حيث ينبغي أن تُمارس. هذا الاختلال لا يهدد فقط كفاءة الأداء، بل يضع عبئًا إضافيًا على المؤسسة العسكرية وقيادتها، التي تُدفع – بحكم الضرورة – إلى أدوار تتجاوز نطاقها الطبيعي، في وقت يفترض أن تنصرف فيه إلى مهامها الأساسية، سواء في الإشراف الاستراتيجي أو في إدارة المعركة الميدانية ومواجهة الحرب الدائرة، وهو ما يتعارض مع مبادئ الحوكمة الحديثة الراسخة التي تقوم على توزيع الوظائف، ومنع تداخل الأدوار بين المؤسستين العسكرية والمدنية.

وأي دولة تُحمِّل جيشها أعباء السياسة والإدارة، إنما تُضعف كليهما معًا، وتخلّ بالتوازن الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. ومن هنا، يصبح من الضروري – بل من الملح – إعادة بناء وتفعيل الجهاز التنفيذي على أسس الكفاءة والقدرة والفاعلية، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها. فالسودان لا يحتاج فقط إلى قيادة عسكرية قوية، بل يحتاج – بالقدر ذاته – إلى حكومة تنفيذية مقتدرة، قادرة على إدارة الاقتصاد، وضبط الأداء الإداري، وصياغة السياسات، والتفاعل مع المجتمع الدولي بلغة الدولة لا بلغة الضرورة.

غير أن أحد أبرز معوقات هذا التحول يتمثل في حالة التردد أو التخوف من الاستعانة بكفاءات وطنية مؤهلة، بسبب تصنيفات سياسية سابقة أو انتماءات تاريخية.إذ تحوّلت الكفاءة في كثير من الأحيان من معيار للاختيار إلى محل شبهة، وهو ما يُفرغ الدولة من أهم أدواتها، وهي معضلة تعكس خللًا في آليات الاختيار ومنطقه، أكثر مما تعكس حرصًا حقيقيًا على الإصلاح. إذ لا يمكن بناء دولة حديثة بمعايير إقصائية، ولا يمكن تحقيق تحول حقيقي دون الاستفادة من الكفاءات، مهما كانت خلفياتها، طالما خضعت لمعايير موضوعية واضحة تقوم على المهنية والنزاهة والقدرة.

إن تجاوز هذه العقدة يتطلب إعادة صياغة منظومة الاختيار والتعيين على أسس مؤسسية صارمة، تُحدِّد معايير الكفاءة، وتضبط آليات التقييم، وتفصل بين الانتماء السياسي والأداء المهني. فالدول لا تُبنى بالتصنيفات، بل بالكفاءات، ولا تنهض بالإقصاء، بل بحسن توظيف الطاقات الوطنية. وفي هذا الإطار، تبقى الحقيقة الجوهرية أن الكوادر هي التي تصنع التغيير، وأن أي مشروع لإعادة بناء الدولة لا يمكن أن ينجح دون جهاز تنفيذي كفء ومنضبط، يمتلك القدرة على الفعل وتحويل الرؤية إلى واقع.

وفي المحصلة، لا يمكن لأي دولة أن تبني حضورًا خارجيًا مؤثرًا دون أن تستند إلى أداء تنفيذي داخلي فعّال ومنضبط، لأن الخارج، في نهاية الأمر، ليس ساحة لتعويض الضعف بقدر ما هو امتداد مباشر لما يجري في الداخل. وفي الحالة السودانية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الضغوط الخارجية بقدر ما يكمن في إعادة ترتيب الأولويات، وبناء قدرة تنفيذية قادرة على تحويل التفاعل مع الخارج من حالة استجابة ظرفية إلى أداة لتحقيق المصالح الوطنية. فالدول لا تُقاس بما تقوله في الخارج، بل بما تستطيع أن تنفّذه في الداخل.

الأربعاء 1 ابريل 2026م

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole