*(٢٥) عاماً على رحيل يوسف كوة مكي موقعه في نضال الهامش وموقفه من القوميين الجنوبيين والنوبة* (٢)- (١) ياسر عرمان (١)*

يحظى القائد الكبير يوسف كوة مكي بموقع متميز في نضال الهامش سيما مدرسة الكفاح المسلح، وهو رائد من رواد مقاومة الريف والبحث عن العدالة والمواطنة بلا تمييز. وربما كان من المفيد التطرق لبعض من سيرته الذاتية لتعريف أجيال الشباب به والديسمبريين والديسمبريات ممن لم يتلقوه.
وُلد يوسف كوة في عام ١٩٤٥ تقريباً، فهو يتذكر أن تاريخ ميلاده ككثير ممن وُلدوا في ريف السودان لم يُسجل بدقة، مثلما هو الحال في تاريخ رحيله المؤلم ٣١ مارس ٢٠٠١ في المملكة المتحدة بعد معاناة مع مرض السرطان، والذي واجهه بشجاعة منقطعة النظير وفي لحظات حياته الأخيرة وهو في المستشفى شارك في مناقشة ترتيبات ما بعد رحيله.

وُلد يوسف كوة لوالدٍ عمل في سلك الجندية، وتنقل في بدايات حياته من مسقط رأسه في منطقة ميري بجبال النوبة إلى مناطق عديدة في السودان شملت الخرطوم وكسلا، كما عمل معلماً في مدينة الضعين. التحق بجامعة الخرطوم لدراسة العلوم السياسية والاقتصاد، ونما وعيه السياسي عبر أحداث كثيرة حكى عنها بسخرية واتساع أفق، منها أن أحد معلميه سخر من أهمية تعليم النوبة، وازداد وعيه عبر تقلبات الحياة بأنه لا ينتمي للعرب مثلاً، وتلمس طريقه نحو معرفة الذات والمكان والزمان الذي يعيشه، وأن قضية النوبة عميقة الجذور. ونما وعيه بقضايا الهوية والمواطنة، ويمكن الاستشهاد بقصيدته الجميلة بعنوان (أفريقيتي):
“معذرة وألف معذرة يا إخوتي لصراحتي، لجرأتي رغم ديني وثقافتي، أنا نوبي أنا زنجي، رغم ماضي بني جلدتي تلك أصالتي… إلخ”.

القصيدة تحمل حواراً داخلياً يطرح الأسئلة الوطنية الحائرة بتهذيب يعكس تهذيب يوسف كوة نفسه، فقد كان معلماً مطبوعاً بسمات المعلمين السودانيين حينما كان للتعليم والمعلم مكانة في بلادنا. ذكر يوسف كوة نفسه لاحقاً أن قيادته العسكرية لا تعتمد على الأوامر بل على المثال والقدوة، وهو جوهر طرائق المعلمين في التربية. القصيدة تعكس الصراع الذي اعتمل في نفسه حول التناقضات التي تحملها قضايا الهوية والبناء الوطني.

في عام ١٩٨٤ بعد عام من تأسيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، كان يوسف كوة واحداً من الذين تلقوا المانيفستو الأول للحركة الشعبية في الخرطوم بتوقيع من الدكتور جون قرنق. في عام ١٩٨٥ التحق يوسف كوة بالحركة الشعبية ليبدأ فصلاً مهماً من حياته التي بذلها كاملة من أجل الآخرين. وقد كان قبلها في عام ١٩٧٥، من المؤسسين لمنظمة (الكامولو)، وهي منظمة تجمع مجموعات الشباب من جبال النوبة وتطرح أسئلة الثقافة والهوية والمجتمع بأفق لا يخلو من السياسة، وساهمت في الدفع بيوسف كوة لبرلمان كردفان في الأبيض، ودانيل كودي للبرلمان القومي في الخرطوم.

دخل يوسف كوة لاحقاً في إشكاليات ذات طابع سياسي مع اللواء الفاتح بشارة، حاكم الإقليم في أيام جعفر نميري، مما عجّل برحلته للحركة الشعبية ليبدأ فصلاً جديداً وهاماً وأخيراً من فصول حياته ومن فصول الحركة الشعبية، إذ إن دخول الآلاف من أبناء جبال النوبة لصفوف الحركة والجيش الشعبي ساهم في تشكيلهما وأحدث أثراً عميقاً في مسيرة الحركة، وأعطى معنى ملموساً لرؤية دكتور جون قرنق حول السودان الجديد.

(٢)

تنقُل يوسف كوة في أجزاء السودان المختلفة كان له بصمة عميقة في وعيه وانفتاحه على أقوام السودان وتنوع ثقافاتهم، وساهمت رحلته بين ثنايا البشر والجغرافيا في سعة إدراكه وكذلك أسرته. في التسعينيات حينما التقيت بوالدته الشجاعة الحاجة زينب سومي، حكت لي قصصاً كثيرة دالة على أثرها في حياته مثل كل الأمهات، وهي امرأة ذكية عركتها تجارب الحياة وتعلمت منها. قالت لي في أول لقاء معها في منزل يوسف كوة بنيروبي، إن حكومة البشير ومن معه لا تشبه الحكومات السابقة، وسيأخذكم وقت طويل معهم، وحذرتنا منهم، فببصرها وبصيرتها أدركت أن مشروع الإسلاميين كان مختلفاً من المشاريع السابقة.

في الخرطوم وبعد ثورة ديسمبر وفي قاعة الصداقة، خاطبت احتفالاً لأبناء وبنات قبيلة الميري، وقبل التحدث معهم سألت نفسي عن الجديد الذي يمكن ان اذكره وعن مساهمات الميري في تاريخ السودان الحديث، بعيداً عن كلمات المجاملة. وفي تأملي حول معاناة النوبة وأحلامهم في المواطنة، بدأت حديثي عن مساهمات الميري الهامة في الحركة الوطنية والنضال الوطني الحديث. فمن جبال الميري جاء الشيخ علي الميراوي الذي صادم الكولونيالية والاستعمار البريطاني، وتناول الراية من بعد حين الزعيم علي عبد اللطيف، الذي ترجع جذوره في أحد أوجهها لمنطقة (ليما) في جبال الميري. وبصمة علي عبد اللطيف في الحركة الوطنية لا يمكن إنكارها أو محوها حينما يتعلق الأمر بالثورة وقضايا البناء الوطني. ومن بعده تسلم الراية يوسف كوة مكي، فهي موجة تعقبها موجات وأجيال تُسلّم الراية لأجيال جديدة.

إن نضال شعب النوبة ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالحركة الوطنية السودانية، ولهم مساهمات مقدرة تحت راياتها الوطنية. والنوبة موجودون تقريباً في كافة أرجاء السودان، وربما كان النوبة خارج الجبال أكثر من الموجودين منهم في الجبال، فهم مثل الأيرلنديين، مما يؤهلهم للاستثمار في قضايا التغيير الشامل. وفوز الأب فيليب عباس غبوش في دائرة الحاج يوسف ودخوله البرلمان في عام ١٩٨٦ من (الحاج يوسف) لا من (حجر سلطان) مسقط رأسه، حدث سياسي ذو معنى يعزز روابط الوطنية السودانية.

كان يوسف كوة سودانوياً مؤمناً بوحدة السودان، ومدركاً بأن نضال النوبة وموقعهم السياسي والجغرافي والإنساني يؤهلهم كمسمار نص في تعزيز الروابط شمالاً وجنوباً.
لقد أسعدني الحظ بمعرفة يوسف كوة مكي أخاً وصديقاً ورفيقاً وإنساناً من أزمنة قادمة ومحترمة.

في حواراتي العديدة التي لا تُنسى مع الدكتور جون قرنق، ذكر لي أنه حينما قرر إضافة قادة مناوبين للقيادة السياسية والعسكرية للحركة الشعبية، وكانت في ذلك الوقت في قمة عنفوانها وأحلامها الكبيرة وألقها وضوئها الساطع، وهي تسعى من هامش الجنوب لتغيير المركز وتطرح وحدة السودان بديلاً للانفصال في مصادمة للضمير الفلسفي والسياسي لتيار وارث الأنيانيا الأولى الداعي للانفصال، وفي مناطحة لما أسميه بالمثلث الكولونيالي (شماليين-جنوبيين / مسلمين-مسيحيين / جنوب-شمال).

ذكر لي دكتور قرنق انه قد طرح على عدد من كبار قادة الحركة الذين أجرى معهم المشاورات أهمية اختيار واحد من القادة القادمين من الشمال ومن جبال النوبة للقيادة العليا للحركة الشعبية، وهي المرة الأولى التي يحتل فيها شخص من الشمال موقعاً رفيعاً في العمل المسلح الذي بدأ من الجنوب. وانحصر الترشيح بين دانيل كودي أنجلو ويوسف كوة مكي، وانحاز معظم قادة الحركة لاختيار دانيل كودي لأنه مسيحي وأقرب للنخبة الجنوبية، وكان بعضهم لا يرى إمكانية ترشيح شمالي للقيادة العليا. لكن جون قرنق، الاستراتيجي والساعي لوحدة السودان كمشروع عظيم، كان له رأي مغاير، فقد كان يؤمن بإمكانية وحدة السودان كمشروع استراتيجي يتجاوز حواجز الثقافة والدين والجغرافيا، وضرورة البحث عن قواسم مشتركة جديدة وقديمة تعزز فرص العيش المشترك.

وقال قرنق لمن أشاروا عليه باختيار دانيل كودي لأنه مسيحي: “إن الصحيح ….”

نواصل

١ أبريل ٢٠٢٦

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole