لن يمر إذلال البشر مجددًا ولن تصمت الكلمة ولن تموت الحقيقة ما حدث للصحفية مياه النيل مبارك ليس مجرد تجاوز إداري ولا خطأ ميداني بل هو تعبير مكثف عن أزمة عميقة تضرب بنية الجهاز الأمني نفسه أزمة تتعلق بكيفية فهم السلطة لدورها وحدودها وعلاقتها بالمجتمع وبالصحافة تحديدًا حيث لم تعد الأجهزة الأمنية تتصرف باعتبارها حارسًا للقانون بل كجهة تمتلك سلطة تفسيره وتجاوزه في آن واحد إن توقيف صحفية أثناء أداء عملها وإخضاعها للتفتيش والاحتجاز وتوجيه اتهامات بلا سند قانوني ليس إجراءً يمكن تبريره تحت أي غطاء بل هو سلوك يكشف عن عقلية تعتبر الكلمة تهديدًا والمعلومة خطرًا والشفافية عبئًا يجب التخلص منه
إن الأخطر في هذه الواقعة ليس تفاصيلها فقط بل ما تكشفه من نمط متكرر حيث يتم التعامل مع الصحفيين باعتبارهم أهدافًا سهلة في بيئة يغيب فيها الردع المؤسسي وتغيب فيها المساءلة الحقيقية جهاز الأمن الذي يفترض أن يعمل وفق قواعد واضحة تحكمها القوانين يبدو كأنه يتحرك داخل مساحة مفتوحة من الصلاحيات غير المقيدة حيث يمكن توقيف أي صحفي وتفتيش هاتفه والتشكيك في صفته المهنية دون الحاجة إلى مبررات حقيقية وهذا في جوهره ليس تطبيقًا للقانون بل إلغاء له واستبداله بسلطة تقديرية مطلقة
إن تحويل أدوات العمل الصحفي إلى مادة اتهام واستخدام خطاب أمني فضفاض مثل الإحداثيات في سياق مدني يعكس انزلاقًا خطيرًا نحو تجريم العمل الإعلامي نفسه وهو ما يخلق بيئة معادية للصحافة ويدفع إلى تصدير الخوف بدل المعرفة ويؤدي في نهاية المطاف إلى إفراغ المجال العام من أي صوت نقدي مستقل إن هذا النوع من السلوك لا يحمي الدولة بل يضعفها لأنه يعزلها عن المجتمع ويجعلها تبدو كسلطة تخشى الحقيقة بدل أن تديرها
ولا يمكن قراءة هذا السلوك بمعزل عن الإرث الثقيل لعلاقة الأجهزة الأمنية بمراكز القوة المختلفة داخل الدولة حيث أدى التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية والسياسية في فترات سابقة إلى إنتاج نموذج مشوه من العمل المؤسسي نموذج يسمح بتوسيع النفوذ دون بناء آليات رقابة حقيقية ويمنح الحصانة دون ربطها بالمسؤولية وهو ما خلق بيئة يمكن فيها لمثل هذه الانتهاكات أن تحدث دون خوف من العواقب غياب المراجعة الجادة لهذا الإرث يجعل كل حديث عن الإصلاح مجرد شعار لأن السلوك الميداني يظل انعكاسًا مباشرًا للبنية التي أنتجته
إن ما جرى للزميلة الصحفية مياه النيل ليس سوى نتيجة طبيعية لمنظومة لم تُسائل نفسها يومًا ولم تخضع لإصلاح حقيقي منظومة اعتادت إدارة الأزمات عبر السيطرة لا عبر المعالجة وعبر تقييد المعلومات لا عبر تنظيمها وعبر استهداف الصحفيين لا عبر الاستماع لما ينقلونه إن هذه المنظومة لا ترى في الصحافة شريكًا بل تهديدًا ولا ترى في النقد فرصة للإصلاح بل خطرًا يجب احتواؤه وهذا الفهم القاصر هو ما يقود إلى تكرار نفس الأخطاء بنفس الأدوات وبنفس النتائج
إن أي جهاز أمني يفقد القدرة على التمييز بين الخطر والعمل المهني يصبح جزءًا من المشكلة لا أداة للحل وعندما تتحول الكاميرا إلى شبهة والهاتف إلى دليل إدانة والصحفي إلى متهم دائم فإننا لا نكون أمام مؤسسة تحمي الأمن بل أمام سلطة تعيد إنتاج الخوف كوسيلة للحكم وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة لأن الأمن القائم على الخوف لا يستمر بل ينفجر عند أول اختبار حقيقي
إن استمرار هذه الممارسات لا يعني فقط انتهاك حقوق الأفراد بل يعني تقويض فكرة الدولة نفسها لأن الدولة التي لا تحكمها القوانين بل التقديرات الفردية تفقد معناها تدريجيًا وتتحول إلى سلطة بلا مرجعية وهذا ما يفسر التآكل المستمر في الثقة بين المجتمع ومؤسساته حيث لم يعد المواطن يرى في الجهاز الأمني جهة حماية بل جهة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى مصدر تهديد مباشر
إن الرسالة التي يجب أن تُقال بوضوح أن زمن إدارة الدولة عبر إذلال الأفراد قد انتهى وأن تكرار هذه الأساليب لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة لا حلها وأن أي محاولة لإخضاع الصحافة عبر الترهيب ستفشل لأن الكلمة بطبيعتها لا تُخضع بل تُقاوم وكل تجربة سابقة حاولت فيها السلطة قمع المعلومة انتهت إلى نتيجة واحدة هي اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع
إن إصلاح هذا الواقع لا يبدأ من تبرير ما حدث ولا من التقليل من خطورته بل من الاعتراف بأنه نتيجة خلل حقيقي يتطلب معالجة جذرية تبدأ بإعادة تعريف دور الجهاز وحدود سلطاته ووضع آليات رقابة مستقلة تضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات ومحاسبة كل من تجاوز سلطاته بشكل واضح لأن غياب المحاسبة هو الضمان الوحيد لاستمرار الانتهاكات
حماية الصحفيين ليست ترفًا مهنيًا بل ضرورة وطنية لأن الصحافة هي أحد أهم أدوات كشف الخلل داخل الدولة وأي اعتداء عليها هو اعتداء على حق المجتمع في المعرفة وعلى قدرته في تصحيح مساره إن تحويل الصحفي إلى خصم هو في حقيقته إعلان ضمني بأن السلطة لا ترغب في أن تُرى ولا أن تُسأل وهذا أخطر من أي تهديد خارجي لأنه يقوض الدولة من داخلها
ما حدث يجب أن يُفهم كإنذار حقيقي لا كحادثة عابرة لأن تكراره يعني أننا أمام مسار يتجه نحو مزيد من الانغلاق ومذيد من القمع ومذفئيد من فقدان السيطرة على الواقع وهو مسار ثبت فشله في كل التجارب السابقة ولن يؤدي إلا إلى نفس النتائج الكارثية
لن يُسمح بتكرار إذلال البشر لأن الكرامة ليست خيارًا ولن تصمت الصحافة لأن دورها لا يُمنح من السلطة بل يُنتزع من الواقع ولن تموت الحقيقة لأن كل محاولة لإخفائها تنتج نسخة أكثر وضوحًا منها هذه ليست شعارات بل معادلات أثبتها الواقع مرارًا وتكرارًا
استمرار هذا النهج لن يحمي الدولة بل سيعزلها ولن يعزز الأمن بل سيقوضه ولن يسكت الكلمة بل سيجعلها أكثر حضورًا وحدة ولذلك فإن الخيار الوحيد المتبقي هو التوقف الفوري عن هذه الممارسات والبدء في إصلاح حقيقي يعيد للمؤسسه الامنية معناها ويعيد للمجتمع ثقته ويعيد للقانون مكانته
وحتى يحدث ذلك ستبقى كل واقعة من هذا النوع شاهدة لا تُمحى على خلل عميق وعلى سلطة لم تتعلم من أخطائها وعلى جهاز لم يدرك بعد أن القوة الحقيقية لا تُقاس بقدرته على إخضاع الأفراد بل بقدرته على الالتزام بالقانون لأن الدولة التي تحترم نفسها تبدأ أولًا بمحاسبة أجهزتها لا بملاحقة صحفييها وهذه هي الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ولن يُسمح بتجاوزها مرة أخرى
كامل تضامني مع الزميلة الصحفية مياه النيل




