لا يمكن اختزال هذا المشهد في جملة عابرة ولا تبريره بعبارات دبلوماسية ناعمة لأن ما جرى يتجاوز فكرة “لقاء عادي” إلى كونه لحظة كاشفة لعطبٍ عميق في ميزان العدالة الدولية حيث جلس بيكا هافيستو ممثلاً لـ الأمم المتحدة أمام محمد حمدان دقلو في توقيتٍ لا تزال فيه ذاكرة السودانيين مشبعة بصور الدم والدمار والاتهامات الثقيلة التي لم تجد طريقها إلى تحقيقٍ حقيقي أو مساءلة شفافة ومع ذلك تم اللقاء تحت لافتة البحث عن السلام وكأن السلام يمكن أن يُصاغ في غياب الحقيقة أو يُبنى فوق أرض لم تُنظّف بعد من آثار الجريمة وهنا تحديداً تتفجر الأسئلة التي يحاول الخطاب الدولي الالتفاف حولها هل كان المبعوث يجهل هذه الوقائع أم أنه يعرفها جيداً واختار تجاوزها مؤقتاً أم أنه ببساطة يتحرك وفق منطق براغماتي بارد يرى أن من يملك السلاح يملك حق الجلوس على الطاولة مهما كان تاريخه ومهما كانت التهم التي تلاحقه وفي كل الحالات فإن النتيجة واحدة صورة تُلتقط ومشهد يُبث ورسالة تصل إلى الضحايا مفادها أن العالم لا يضع معاناتهم في مقدمة أولوياته بقدر ما يسعى إلى إدارة الأزمة بأقل الخسائر السياسية الممكنة لا إنهائها جذرياً
فالقول إن المبعوث لم يذهب لتهنئة الرجل على جرائمه قد يكون صحيحاً من الناحية الشكلية لكنه لا يُلغي حقيقة أكثر قسوة وهي أنه لم يذهب أيضاً ليواجهه بها لم يضعها في صدارة النقاش لم يربط اللقاء بشروط واضحة تتعلق بالمحاسبة لم يُسمِّ الانتهاكات بأسمائها أمام الرأي العام بل اكتفى بلغة فضفاضة عن السلام والحوار وتبادل وجهات النظر وهي اللغة ذاتها التي استُهلكت في أزمات سابقة دون أن تمنع تكرار الكارثة مرة بعد مرة وبهذا المعنى فإن المشكلة ليست في النوايا المعلنة بل في الأثر السياسي والأخلاقي الذي يخلّفه هذا النوع من اللقاءات لأن السياسة لا تُقرأ فقط بما يُقال فيها بل بما تعنيه صورها وما توحي به إشاراتها وحين يرى العالم ممثلاً أممياً يجلس بهدوء مع شخصية مثيرة للجدل دون سياق صارم للمساءلة فإن ذلك يتحول تلقائياً إلى نوع من الاعتراف الضمني لا اعتراف قانوني مباشر لكنه اعتراف بالواقع الذي فرضه السلاح واعتراف بأن هذا الطرف أصبح جزءاً من معادلة الحل حتى قبل أن يُسأل عن دوره في صناعة الأزمة
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية لأن هذا المسار يعيد إنتاج الفكرة الأخطر في تاريخ النزاعات أن القوة يمكن أن تسبق العدالة وأن من ينجح في فرض نفسه ميدانياً يستطيع أن يفرض نفسه سياسياً أيضاً وأن الطريق إلى الشرعية لا يمر بالضرورة عبر البراءة بل قد يمر عبر طاولة تفاوض تُدار بعناية دولية وفي ظل هذا المنطق تتحول الجرائم من وقائع تستوجب المحاسبة إلى ملفات قابلة للتأجيل وتتحول العدالة من شرط للسلام إلى بند تفاوضي مؤجل إلى أجل غير مسمى وهنا يشعر الضحايا بأنهم خُذلوا مرتين مرة حين وقعت الانتهاكات ومرة حين رأوا من يُفترض أنه يمثل الضمير العالمي يتعامل معها كتفصيل يمكن تجاوزه مؤقتاً
إن أخطر ما في هذا اللقاء أنه لم يكن صريحاً بما يكفي ليكون مواجهة ولم يكن مشروطاً بما يكفي ليكون ضغطاً ولم يكن حاسماً بما يكفي ليكون خطوة نحو العدالة بل جاء في تلك المنطقة الرمادية التي تُتقنها الدبلوماسية حين تريد أن تتحرك دون أن تتحمل تبعات أخلاقية واضحة وهي منطقة تُنتج سلاماً هشاً إن تحقق وتُبقي جذور الصراع حيّة تحت السطح لأن أي تسوية لا تُبنى على الاعتراف والمحاسبة تظل قابلة للانهيار في أول اختبار حقيقي
وبهذا المعنى لا يمكن القول إن المبعوث تجاهل الجرائم بشكل كامل ولا يمكن أيضاً تبرئة اللقاء من دلالاته الخطيرة فالحقيقة الأكثر دقة والأكثر إيلاماً أنه اختار تأجيلها وضعها في الهامش أرجأها لصالح أولوية يراها عاجلة هي وقف الحرب لكن التجربة السودانية وتجارب العالم تقول إن العدالة المؤجلة كثيراً ما تتحول إلى عدالة مفقودة وأن السلام الذي يُبنى دونها لا يكون سوى هدنة مؤقتة في حرب أطول
لذلك فإن الغضب من هذا اللقاء ليس انفعالاً عاطفياً بل موقف له ما يبرره لأنه يقرأ ما وراء الصورة لا الصورة نفسها يرى في هذا الجلوس أكثر من مجرد تواصل دبلوماسي يراه إعادة ترتيب للمشهد تمنح من تحيط به الاتهامات مساحة جديدة للحضور السياسي بينما يظل الضحايا خارج الكادر بلا صوت ولا تمثيل حقيقي وهذا هو جوهر المأساة أن يتحول السعي إلى السلام إلى مسار قد يمر فوق العدالة لا عبرها وأن يصبح السؤال ليس هل سيُحاسَب من ارتكب بل هل سيتم تجاوز ذلك كله باسم الواقعية السياسية وفي هذه اللحظة تحديداً يصبح الصمت أخطر من التصريح والجلوس أخطر من القطيعة لأن ما لا يُقال على الطاولة قد يكون أثقل بكثير مما يُقال عليها.




