في السودان اليوم لا نواجه مجرد تصرفات عابرة ولا سلوكًا طائشًا يمكن إغلاق ملفه ببيان رسمي أو اعتذار بارد بل نواجه انكشافًا خطيرًا لجرح قديم يتمدد في صمت ويتحول أمام أعين الجميع إلى خطاب قابل للتداول ثم إلى ممارسة ثم إلى شعور زائف بالحق في فرز البشر داخل وطن واحد وما جرى من رفع لافتات وشعارات من نوع لا يشبهوننا تجاه نازحين من السودان سواء كانوا من دارفور أو كردفان ليس حادثة منفصلة ولا لحظة غضب ولا خطأ فردي كما يحاول البعض أن يخفف من بشاعته بل هو إعلان صريح عن انحدار خطير في معنى المواطنة وانهيار في مفهوم الدولة نفسها حين يصبح الإنسان مطالبًا بإثبات أنه يشبه الآخرين كي يُسمح له بالوجود داخل أرضه
هذه ليست زلة لسان هذه ليست تصرفًا فرديًا هذه ليست حالة معزولة هذه بنية فكرية كاملة حين تُترك دون مواجهة تتحول إلى ثقافة وحين تتحول إلى ثقافة تصبح أخطر من الرصاصة لأنها تعيد تشكيل الوعي وتزرع داخل المجتمع فكرة أن هناك سودانيين أكثر شرعية من سودانيين آخرين وأن هناك من يملك حق الإقامة الرمزية في الوطن ومن يجب أن يُدفع إلى الهامش وكأن الانتماء جائزة جمالية وليست حقًا تاريخيًا وقانونيًا وإنسانيًا لا يقبل المساومة
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط في اللافتة التي رُفعت بل في اليد التي لم تُوقفها وفي الصمت الذي سمح لها أن تُرفع وفي التبرير الذي حاول أن يجمّلها وفي كل صوت قال إنها فردية وكأن العنصرية تنبت بلا أرض وكأنها لا تحتاج سنوات من التغذية الفكرية والاجتماعية والسياسية كي تصل إلى هذه الجرأة العلنية الحقيقة أن ما نراه اليوم هو حصاد طويل لتراكم خطاب إقصائي تغذى من الحرب ومن الانقسام ومن ضعف الدولة ومن صمت النخب ومن تردد المؤسسات في تسمية الأشياء بأسمائها
حين يُقال عن نازحين من داخل السودان إنهم لا يشبهوننا فإننا لا نواجه مجرد جملة بل نواجه محاولة اغتيال رمزي لفكرة الوطن نفسه لأن الوطن الذي يبدأ في فرز أبنائه وفق الشكل أو الأصل أو الجغرافيا هو وطن يخطو بوعي أو بجهل نحو التفكك لأن أول علامات سقوط الدول ليست الحروب بل انهيار فكرة أن الناس متساوون في الانتماء إلى الأرض نفسها
النازحون الذين خرجوا من دارفور وكردفان لم يخرجوا ترفًا ولم يختاروا أن يكونوا في هذا الموقع من الألم بل دفعوا ثمن الحروب والخذلان والتهميش والدمار ومع ذلك يُطلب منهم اليوم أن يثبتوا أنهم جديرون بالبقاء داخل بلدهم وكأن المعاناة لم تكفهم وكأن النزوح لا يكفيهم وكأن عليهم أن يواجهوا نزوحًا ثانيًا لكنه هذه المرة نزوح من الاعتراف بإنسانيتهم
إن تحويل هذه المأساة إلى قضية شكل أو شبه هو سقوط أخلاقي كامل لأن من يملك الجرأة على قول لا يشبهوننا داخل وطن واحد هو في الحقيقة لا يرفض أفرادًا بل يرفض مبدأ الدولة الحديثة برمته يرفض فكرة المواطنة يرفض فكرة القانون يرفض فكرة أن الأرض لا تُقسم بالهوى بل بالحق وأن الإنسان لا يُقاس بالملامح بل بالوجود والحقوق
والأخطر من كل ذلك أن هذا الخطاب حين يُترك بلا محاسبة يتحول إلى عدوى اجتماعية تنتشر بهدوء تبدأ في الأحياء ثم في الأسواق ثم في المؤسسات ثم في الخطاب العام ثم فجأة يصبح الإقصاء أمرًا عاديًا ويصبح التمييز رأيًا ويصبح الظلم وجهة نظر ويصبح الإنسان الغريب داخل وطنه شيئًا مألوفًا وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها الدول في الانكسار الحقيقي ليس أمام عدو خارجي بل أمام نفسها
إن مسؤولية الدولة في السودان هنا ليست اختيارية وليست تجميلية بل وجودية لأن ترك هذا الخطاب دون ردع قانوني صارم ودون محاسبة واضحة ودون حماية حقيقية للنازحين يعني عمليًا السماح بتفكيك المجتمع من الداخل المطلوب ليس بيانات إدانة بل فعل حقيقي قانون يجرم خطاب الكراهية دون مواربة مؤسسات تفرض هيبة المواطنة حماية واضحة لكل مواطن في أي مدينة دون سؤال عن أصله أو لونه أو جهته لأن الدولة التي لا تحمي أبسط حق في الكرامة هي دولة تتنازل عن معناها تدريجيًا
لكن الدولة وحدها لا تكفي لأن الخطر الأكبر حين يتحول المجتمع نفسه إلى ناقل للفكرة حين يصمت حين يتردد حين يبرر حين يضحك على الإهانة حين يمر عليها وكأنها عادية هنا فقط تصبح الكارثة كاملة لأن العنصرية لا تعيش بالقانون وحده بل تعيش حين يجدها الناس مقبولة أو قابلة للتعايش أو قابلة للتجاهل
إن ما يحدث اليوم ليس خلافًا اجتماعيًا بل اختبار قاسٍ لمعنى السودان ذاته هل هو وطن واحد بحق أم مجموعة جزر متنافرة هل هو دولة مواطنة أم ساحة فرز هل هو مكان يتسع للجميع أم مساحة يحكمها منطق التشابه الضيق
التاريخ لا يرحم الشعوب التي تصمت على لحظة كهذه لأن اللحظات الصغيرة التي يُسمح فيها للكراهية أن تتجول بلا مساءلة هي التي تصنع الانهيارات الكبيرة لاحقًا
وإذا كان هناك درس واحد يجب أن يُقال اليوم بوضوح فهو أن لا أحد في السودان يملك حق أن يقول عن مواطن آخر إنه لا يشبهه لأن هذا القول ليس مجرد إساءة بل محاولة سرقة للوطن نفسه قطعة قطعة حتى لا يبقى منه إلا اسم بلا روح ولا دولة بلا معنى ولا مجتمع بلا عدالة




