هذا ليس فرحًا هذا انحدار أخلاقي مكتمل الأركان وسقوط مدوٍ في قاع الوعي كيف يمكن لشعب ذُبح على مدى ثلاث سنوات وسُحقت كرامته تحت أقدام المليشيا وشهد انتهاك أعراض نسائه وقاصراته أن يرفع صوته بالزغاريد اليوم لمن كانوا شركاء في الجريمة من النور قبة إلى كيكل ومن كل الأسماء التي التصقت بعار الدم إلى مشهد الانضمام الذي يُسوَّق له كأنه خلاص بينما هو في الحقيقة فضيحة أخلاقية كبرى القضية لم تعد من غيّر موقعه بل من غيّر ضميره ومن قرر أن يمسح ذاكرته بيده وأن يدفن الحقيقة حيّة تحت أقدام المصلحة
هذا الذي يحدث ليس تحولًا سياسيًا بل إعادة تدوير للجريمة بصورة أكثر وقاحة لأن القاتل لم يُحاسب والمغتصب لم يُحاكم واللص لم يُسترد منه ما نهب ومع ذلك يُفتح لهم الباب وتُفرش لهم السجادة ويُستقبلون بالتصفيق وكأن شيئًا لم يكن وكأن صرخات النساء لم تخترق السماء وكأن الدم لم يملأ الطرقات وكأن القرى لم تُمحَ من الوجود هذه ليست براغماتية هذه جريمة ثانية تُرتكب في حق الضحايا ولكن هذه المرة بأيدٍ باردة ووجوه تبتسم
مظاهر الابتهاج بانضمامهم ليست بريئة ولا عفوية بل تفتح الباب واسعًا أمام منطق أخطر من الرصاص نفسه منطق أن الجريمة يمكن أن تُغتفر بلا حساب وأن الدم يمكن أن يُنسى إذا تبدلت المواقع وأن الشرف يمكن أن يُساوَم عليه في سوق السياسة الرخيص وهذا هو الانهيار الحقيقي لأن المجتمع الذي يقبل بذلك لا يحتاج إلى عدو خارجي ليدمره بل يكفيه هذا التصالح القذر مع الجريمة
أي رسالة تُرسل اليوم لكل من حمل سلاحه وانتهك واغتصب وقتل الرسالة واضحة افعل ما شئت فهناك دائمًا فرصة للغفران المجاني فقط غيّر موقعك في الوقت المناسب وستجد من يصفق لك ومن يستقبلك كبطل وهذا أخطر من الحرب نفسها لأنه يؤسس لدورة لا تنتهي من العنف لأن من أمن العقاب أساء الأدب ومن أفلت مرة سيعود ألف مرة أكثر شراسة وأكثر يقينًا بأن هذا الشعب سينسى وأن هذه الذاكرة قابلة للبيع
أي عدالة هذه التي تُذبح أمام أعيننا ثم نُطلب أن نبتسم أي وطن هذا الذي يساوي بين الضحية وجلادها ثم يطلب منا أن نحتفل أي زمن هذا الذي يُعاد فيه تعريف العار ليصبح موقفًا سياسيًا ويُعاد فيه تعريف الكرامة لتصبح عبئًا على من يطالب بها ما يحدث اليوم ليس تسامحًا بل خيانة وما يُسمى عفوًا ليس إلا صفقة قذرة تُدفع فيها كرامة الناس ثمنًا لمكاسب مؤقتة
المشكلة لم تعد فقط في من انضم بل في هذا التصفيق الجماعي الذي يبرئ القتلة قبل أن يُسألوا وفي هذا الانحدار الذي جعل من الذاكرة شيئًا يمكن محوه ومن العدالة شيئًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية لأن التأجيل هنا ليس حيادًا بل شراكة صامتة في الجريمة لأن كل لحظة يمر فيها الجاني بلا حساب هي طعنة جديدة في جسد الضحية
إن لم تُفتح ملفات الجرائم الآن وبلا مساومة وإن لم يُساق كل من تلطخت أيديهم بالدم إلى محاكم عادلة لا تخاف ولا تجامل فإن ما يحدث ليس سوى تأسيس لانفجار أعنف لأن المجتمعات التي تبتلع جرائمها لا تتجاوزها بل تتحول إلى قنابل موقوتة تنتظر لحظة الانفجار وحينها لن ينفع الندم ولن تُجدي خطابات التبرير
لا تفرحوا لأن هذا ليس نصرًا بل إعادة إنتاج للهزيمة لا تصفقوا لأن التصفيق هنا ليس موقفًا بل سقوط لا تبرروا لأن التبرير هنا ليس فهمًا بل تواطؤ لا تبيعوا الذاكرة لأن من يبيع ذاكرته يبيع مستقبله والذي لا يُحاسَب اليوم لن يتردد في أن يقتل ويغتصب ويحرق غدًا لكن هذه المرة سيكون أكثر ثقة لأنه تعلم الدرس جيدًا أن هذا المجتمع لا يعاقب بل يصفق وأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن ينجو القاتل بل أن يتحول نجاته إلى مشهد احتفالي يتكرر حتى تصبح العدالة غريبة في أرضها والجرائم وجهًا مألوفًا لا يثير حتى الغضب بل يُقابل بالتصفيق وهذا هو السقوط الكامل الذي لا قاع له




