لم يكن قرار العودة إلى أرض الوطن بالنسبة لآلاف السودانيين العائدين من مصر مجرد رحلة سفر عادية، بل تحول في محطاته الأخيرة إلى مسار محفوف بالمعاناة الإنسانية الشديدة، واختبار حقيقي للصبر فوق رمال معبر “أرقين” الحدودي الشاهد على فصول هذه الأزمة.
في هذا المقال، نسلط الضوء على عمق الأزمة التي سبقت الانفراجة، وكيف حركت مناشدات المواطنين جمود الإجراءات، وما نحتاجه لضمان عدم تكرارها.
صرخة من المعبر: استغلال ورسوم باهظة
الشرارة الحقيقية التي لفتت الأنظار وحركت المياه الراكدة بدأت من مناشدات أطلقها مواطنون وعائلات عالقة هناك؛ حيث نقلت إحدى المواطنات السودانيات بمرارة حجم الضرر والمعاناة التي واجهت الأسر، والتي لم تقتصر على قسوة الطبيعة فحسب، بل تمثلت في مطبات أشد قسوة:
مطرقة الاستغلال: واجه العائدون جشعاً كبيراً واستغلالاً غير مبرر من بعض أصحاب الباصات التجارية، الذين انتهزوا حاجة الأسر وندرة وسائل النقل لرفع الأسعار بشكل جنوني.
رسوم باهظة وثقيلة: فُرضت على المسافرين تكاليف ورسوم مالية أرهقت كاهل العائلات التي يمر معظمها بظروف اقتصادية معقدة، مما جعل الكثيرين عاجزين عن تدبير تكلفة تذكرة العودة.
تكدس مأساوي في العراء: تسببت هذه العوامل مجتمعة، مع بطء التفويج، في تكدس آلاف المواطنين في معبر أرقين تحت أشعة الشمس الحارقة وفي درجات حرارة مرتفعة، وسط غياب تام لأبسط الخدمات الإنسانية والصحية.
الاستجابة الرسمية: وجاء القرار لينهي المعاناة
أمام هذه المناشدات الصادقة وحجم الضرر الموثق الذي لحق بالمواطنين، جاء التدخل الحاسم من رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، الذي وجه بنقل العالقين فوراً وتسيير “مشروع العودة الطوعية المجانية” لقطع الطريق على هذا الاستغلال.
وتضمنت خطة الطوارئ المنفذة لإنهاء الأزمة التدابير التالية:
1. مجانية النقل لكسر الاحتكار
جاء القرار موجهاً بشكل مباشر ليكون النقل مجاناً بالكامل عبر الباصات والقطارات، مما مثّل ضربة قاضية لأسواق النقل السوداء وجشع المستغلين، ورفع العبء المالي عن كاهل الأسر.
2. مسارات نقل آمنة ومنتظمة
بدأت منظومة الصناعات الدفاعية بالسودان، باعتبارها الجهة المشرفة، بتنفيذ الخطة ميدانياً؛ حيث تم تأمين حركة الباصات انطلاقاً من محطة “السد العالي” في أسوان، وعبوراً بنقطة أرقين، وصولاً إلى الولايات المختلفة. وقد أثمر ذلك عن تفويج الفوج الأول بنجاح وضمن نحو 1028 مواطناً.
3. انحسار التكدس
أعلنت إدارة المعبر عن بدء انحسار التكدس تدريجياً وتدفق الحافلات لإنقاذ العائلات العالقة، مما أعاد الطمأنينة للمواطنين بعد أيام طويلة من التعب والانتظار.
كلمة شكر وتقدير
ومن باب “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”، يمتد الشكر أجزله والتقدير المستحق لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، على استجابته الإنسانية السريعة والتقاطه الفوري لنداءات ومناشدات المواطنين العالقين. إن هذا الموقف المسؤول يعكس استشعاراً حقيقياً لمعاناة أبناء الوطن في مهاجرهم، ويمثل نموذجاً للقيادة التي تتفاعل مع نبض الشارع وتتدخل بحسم لرفع الظلم والاستغلال عن كاهل البسطاء والمستضعفين في أوقات الأزمات.
ما بعد الانفراجة: نحو مأسسة الضوابط
إن هذه الخطوة الشجاعة والمبادرة الرسمية لا ينبغي أن تقف عند حدود كونها “إجراء طوارئ مؤقت” ينتهي بانتهاء الأزمة الحالية؛ بل إن المصلحة العامة تقتضي تحويل هذه التدابير إلى سياسات دائمة وضوابط صارمة تُفرض على معابرنا البرية كافة.
يجب أن تخضع شركات النقل الخاصة لرقابة حازمة تمنع التلاعب بالأسعار أو احتكار خطوط السير وقت الأزمات، فكرامة المواطن السوداني وأمنه الاقتصادي والجسدي هما الخط الأحمر الذي لا يجوز تجاوزه تحت أي ظرف.
خلاصة القول: إن “مطبات الطريق” في أرقين كشفت عن وجه قبح استغلال الأزمات، لكنها أثبتت أيضاً أن صوت المواطن ومناشدات الحرائر والعائلات كانت القوة التي حركت القرار الرسمي. نسأل الله العلي القدير أن يلطف بأهلنا، وأن يسهل على مسافرينا وعائدينا دروبهم، وأن يرزق الجميع الستر والسلامة، ويجمع شمل كل مغترب ومهاجر بأمهاته وأهله على أرض الوطن في خير وأمان وعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




