في لحظات الوداع، تكفُّ الكلمات عن الركض، وتتجمد الأحاسيس عند عتبات الصدق، لنقرأ في كتاب حياة رجلٍ لم يكن مجرد “شيخ سجادة”، بل كان نبضاً يمشي بين الناس بالسكينة والوقار. اليوم، ندوزن مشاعرنا على إيقاع الفقد، ونحن نرقب رحيل الشيخ الطيب الجد، الذي غادر دنيانا بجسده، وبقي أثره منقوشاً في وجدان السودانيين.
تفاصيل حياةٍ سُكبت في خدمة الخلق
لم تكن حياة الشيخ الطيب الجد “ود بدر” مجرد أيام تُحصى، بل كانت “خلوةً” ممتدة خارج أسوار “أم ضواً بان”. هو سليل بيتٍ عُرف بالعلم والتقوى، تشرب من مسيد العبيد ود بدر معنى أن يكون القائد خادماً لمريديه. تميزت حياته بالبساطة والزهد؛ فرغم مكانته التي جعلت الملوك والزعماء يطرقون بابه، إلا أنه ظل ذلك الشيخ الذي يفترش الأرض مع الفقراء، ويقسم معهم “لقمة الملاح” بقلبٍ مفتوح.
أما “ونسته” فكانت مجلساً لا يُمل؛ يمزج فيها بين الحكمة الدينية والطرفة السودانية الأصيلة، يُشعرك حين تجلس إليه بأنك أهم ما لديه، يستمع أكثر مما يتكلم، ويجبر، الخواطر بكلماتٍ تشبه ندى الفجر.
ما قدمه: يدٌ ممدودة وجسرٌ للوفاق
لم يحبس الشيخ نفسه في محراب العبادة فحسب، بل كان يرى أن عبادته الحقيقية في “إصلاح ذات البين”. قدم للسودان “نداء أهل السودان”، وهي المبادرة التي حاول من خلالها لمّ شتات القلوب قبل السياسة، مؤمناً بأن الوطن يسع الجميع. كما ظل مسيده قبلةً لكل ملهوف، ومنارةً لتعليم القرآن الكريم، تخرج منها آلاف الحفظة الذين يحملون اليوم قبس نوره في كل فج.
الرحيل المر.. صلاةٌ في حضرة “السبط”
شاءت الأقدار أن تُطوى صفحة حياته في “قاهرة المعز”، بعيداً عن تراب السودان الذي أحبه، لكنه كان قريباً من أحبابه. وفي مشهدٍ مهيب تزلزلت له المشاعر، شُيع جثمانه الطاهر من مسجد سيدنا الحسين. اختلطت الدموع السودانية بالدعوات المصرية، واكتظت ساحة الحسين بجموع المحبين، وكأن التاريخ يعيد وصل ما انقطع بين النيلين في لحظة وداع رجلٍ وحد القلوب حياً وميتاً.
ويبقى الرحيل هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل، لكن رحيل الكبار -أمثال الشيخ الطيب الجد- لا يشبه الغياب؛ إنه أشبه بغروب الشمس التي تترك خلفها شفقاً يضيء عتمة الطريق لمن خلفهم. لقد غادرنا من رحاب “الحسين” إلى رحاب ربٍ كريم، تاركاً لنا إرثاً من “الونسة” الطيبة، ودروساً في جبر الخواطر، وقلباً كان يتسع للسودان بكل جراحاته.
رحل الشيخ الطيب الجد، وبقيت “دوزنة أحاسيسنا” تفتقده في كل جلسة صلح، وفي كل دعوة للوفاق. غاب الجسد، لكن روح “ود بدر” ستظل ترفرف فوق مآذن “أم ضواً بان”، وتهمس في أذن كل سوداني: “العفو والعافية.. والوطن هو الأمان”.
سلامٌ على روحه في الخالدين، وسلامٌ على “أم ضواً بان” وهي تحتضن ذكراه بالدعوات، فمثله لا يموت.. بل يورق في قلوب المحبين حباً، وصلاحاً، وتقوى.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



